شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٣٤ - «الشرح»
..........
الآخرة و بما ذكرنا لا يرد أن قول السائل «لا بأس بهم عندنا» دلّ على أنّ لهم العقل الّذي هو مناط التكليف و الخطاب بالأحكام و قوله (عليه السلام) «ليس هؤلاء ممن خاطب اللّه» دلّ على أن ليس لهم هذا العقل فبين السؤال و الجواب منافاة في الجملة و وجه عدم الورود أنّ للعقل مراتب متفاوتة و أدنى مراتبه و ما هو مناط التكليف بظواهر الأعمال و الأفعال الشرعيّة الّتي يحصل به صلاح الخلق في الدّنيا و نجاتهم في الآخرة. و أعلاها ما هو مناط الفوز بأعلى المقامات الممكنة للقوّة البشريّة و المتّصف به هو خاصّ الخاصّ و المتوسّطات متوسّطات، و الثابت لهم هو أدنى المراتب، و المنفى عنهم ما سواها و يرشد إليه أيضا قول السائل: «و ليست لهم تلك العقول» فإنّ «تلك» للاشارة إلى البعيد و فيها دلالة على أنّ العقل المسلوب عنهم هو الواقع في الدّرجات العالية، و الغرض من هذا السؤال هو استعلام حالهم أ يعبؤبهم أم لا فأشار (عليه السلام) بقوله «ليس هؤلاء ممّن خاطب اللّه» إلى أنّه لا يعبؤ بهم إلّا أنّه أقام السبب موقع المسبب
(إنّ اللّه خلق العقل)
(١) و هو نور محض وضوء صرف ما شابه أرجاس الأوهام و أخباث الظلام، و هذا تعليل للسابق و بيان له و لذا ترك العاطف
(فقال له أقبل فأقبل، و قال له: أدبر فأدبر، فقال و عزّتى ما خلقت شيئا أحسن منك، أو أحبّ إليّ منك)
(٢) الترديد من الرّاوي لعدم ضبط اللّفظ المسموع بخصوصه
(بك آخذ) أي بسببك اعاقب بالبعد عن مقام القرب و الاحسان و بالحبس في سجون الطبائع و النسيان، و هذه المرتبة سمّاها مرتبة المسخ بعض أهل العرفان، أو بسببك أقبل الأعمال الموجبة للقرب
(و بك أعطي)
(٣) أجرا جميلا و ثوابا جزيلا و مقاما محمودا فيه أنواع من الافضال و الاكرام و و أنحاء من الاحسان و الانعام، و لدينا مزيد، و في حذف مفعول الفعلين دلالة على التعميم و لا يبعد تنزيلهما منزلة اللازم و جعلهما كنايتين عنهما حال كونهما متعلّقين بمفعول معلوم بقرينة المقام و قد مرّ شرح هذا الكلام مستوفى [١] مرارا
[١] سبق مفاد هذا الحديث مرتين و مضى شرحه مرارا و ذكرنا شيئا يتعلق بأولية خلق العقل في التعليقات و الحاصل ان وجود جزئيات الاجسام يدل على وجود عالم جسمانى اصله و مبدؤه المادة و تتشكل المادة تارة في صورة و تارة في صورة اخرى كذلك العقول الجزئية في افراد الانسان تدل على وجود عالم عقلى مجرد عن المادة و شأنه العلم و الادراك و مبدؤه موجود مجرد و هو للعالم الروحانى بمنزلة المادة للعالم الجسمانى و هو العقل الكلى الّذي له اشراق على العقول الجزئية فالعقل مبدأ ما لا يرى، و المادة مبدأ ما يرى و الفرق بينهما أن ما يتولد من المادة أفضل و أكمل من نفس المادة و ما يتولد من العقل انقص منه و العقل الكلى المجرد اوّل ما خلق اللّه و العقول الجزئية اشراقات منه و بهذا الاعتبار هو مناط التكليف. (ش)