شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٧٣ - «الشرح»
..........
و الجود من صفات الأنبياء و المرسلين و الصدّيقين و من اقتفى آثارهم من الصالحين الّذين آمنوا باللّه و كتبه و رسله و وعده و وعيده في الحشر و النشر و الثواب و العقاب و راعوا بصدق الهمّة في أحوال الفقراء و المساكين و الايتام و الأرامل و المستحقّين و قصدوا بخلوص النيّة رفع الحوائج عنهم لا يريدون منهم جزاء و لا شكورا، و قد دلّ العقل و النقل على شرافة تلك الفضيلة و علوّ منزلتها، أمّا العقل فإنّ عباد- اللّه عياله و من قام لقضاء حوائج عيال أحد في حال حضوره و غيبته و وطّن نفسه على رعاية حقوقهم و نظر بعين التلطّف و الشفقة إليهم كان عند صاحب العيال مكرما معزّزا محبوبا سيّما إذا كان كريما قادرا على جميع أنحاء الإكرام و اللّه سبحانه لم يجعل أحدا فقيرا لأجل الهوان و لا غنيّا لأجل استحقاقه بالفضل و الإحسان بل إنّما فعل ذلك لأجل المصلحة و الامتحان فمن نظر إلى الفقراء و المحتاجين بعين الحقارة و خطر بباله أنّهم لا يستحقّون الكرامة من اللّه سبحانه و إلّا لأعطاهم و رفع حاجتهم فهو جاهل بالمصالح الإلهيّة و كافر بالحكم الرّبانيّة و يتوجّه إليه الذّم في قوله تعالى: «وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلّٰا فِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ» و أمّا النقل فلقوله تعالى «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً. إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّٰهِ لٰا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لٰا شُكُوراً. إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً. فَوَقٰاهُمُ اللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً» و قول أبي الحسن (عليه السلام) «السخي قريب من اللّه قريب من الجنّة قريب من الناس. و السخاء شجرة في الجنّة من تعلّق بغصن من أغصانها دخل الجنّة [١]» إلى غير ذلك من الآيات الكريمة و الرّوايات الصحيحة و هي أكثر من أن تحصى، و البخل و عدم بذل المال سيّما فضله في وجوه الفقراء و الأقرباء من صفات الجاهل و مبدؤه حبّ الدّنيا و الرغبة عن الآخرة و خوف الفقر و سوء الظنّ باللّه و بمواعيده الصادقة و بعده عن التوكّل و الزّهد و الشفقة و الرّقة و الرّحمة و التعطّف لغلظة طبعه و
[١] الكافى كتاب الزكاة باب معرفة الجود و السخاء تحت رقم ٩.