شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٦٨ - «الشرح»
..........
الرّضا بالقضاء و الدّعاء ينافي ذلك، فالجواب عن الأوّلين أنّ كلّ كائن و فاسد موقوف في كونه و فساده على شرائط و أسباب كما علم من موضعه و دلّ عليه أيضا ما روي من أنّ اللّه تعالى يأبى إلّا أن يجري الأشياء بأسبابها [١]. إذا كان كذلك فلعلّ الدّعاء من شرائط وجود المطلوب و مصالحه كما أنّ شرب الدّواء من شرائط صحّة المريض و أسبابه فالمطلوب مع الدّعاء معلوم الوقوع و مصلحة و بدونه معلوم اللّاوقوع و غير مصلحة، و بالجملة هذا العالم عالم الأسباب و الأشياء تجري بأسبابها و العبد لعدم كونه عالما بكيفيّة علم اللّه تعالى بالأشياء و قضائه إيّاها يكون دائما بين الخوف و الرّجاء و يجوز كون المعلوم و المقتضى مقيّدا بالدّعاء و يتأكّد ذلك بقوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» فلذلك لا يترك الدّعاء في البأساء و الضرّاء، على أنّ لنا أن نقول الدّعاء لا يخلو من فائدة عظيمة و منفعة جليلة لأنّه إن كان من شرائط وجود المطالب و أسبابه ففائدته ظاهرة، و إن لم يكن كذلك سواء كان المطلوب مصلحة في نفسه من غير شرطيّة الدّعاء و سببيته أو لم يكن مصلحة أصلا كان الدّعاء عبادة مستقلّة بل هو من أفضل العبادات كما دلّ عليه الرّوايات المعتبرة فيورث ثوابا جزيلا و أجرا جميلا في الآخرة، و الجواب عن الأخير أنّ العبد إذا دعا كان دعاؤه من جملة القضاء فكيف يكون منافيا له. و الحاصل أنّ المنافي للقضاء ما لا يجامعه و القضاء إذا تعلّق بشيء مقيّد بشرط أو سبب لا يكون ذلك السبب و الشرط منافيين له، و ما روي «أنّ الدّعاء يردّ القضاء و قد أبرم إبراما [٢]» فمعناه- و اللّه أعلم- أنّ الدّعاء يوجب اختيار أحد الفردين من القضاء التخييري مثلا إذا تعلّق القضاء بموت هذا المريض بشرط عدم طلب صحّته و ببقائه بشرط طلبها كان هذا القضاء متعلّقا بأمرين متضادّين مشروطين بشرطين متقابلين و اختيار أحدهما موكول إلى العبد فأيهما اختار فقد رضي بالقضاء، و إذا عرفت أنّ الدّعاء من أشرف مقامات السالكين عرفت أنّ ضدّه و هو الاستنكاف يعني الأنفة
[١] الكافى كتاب الحجة باب معرفة الامام و الرد إليه تحت رقم ٧.
[٢] الكافى كتاب الدعاء باب (أن الدعاء يرد البلاء و القضاء).