شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٥ - «الشرح»
..........
نحو الافراط و جاوزت عن حكم العقل و الشرع، و ارتكبت من اللذات ما لم يأذنا لها حصلت رذيلة الهتك و خرق الأستار و هي مسمّاة بالشره و الفجور أيضا و معدودة من جند الجهل لانقياد حكمه و اتّباع أمره و نهيه و خروجه على سلطان العقل، و إن تحركت نحو التفريط و آثرت ترك طلب اللّذات الضروريّة الّتي أذن لها العقل و الشرع و اختارت البليّة و المشقّة الّتي تورث الهلاك حصلت رذيلة خمود الشهوة و هي أيضا من أضداد العفّة و إنما اقتصر على الهتك الّذي هو في طرف الإفراط لأنّ رذالته أشهر و ضدّيّته أظهر.
(و الزهد و ضدّه الرّغبة)
(١) الزهد جعل القلب حيّا بمشاهدة أحوال الآخرة و عدم الغفلة عنها و ميتا عن طمع الدّنيا و زخارفها، و بعبارة اخرى هو إعراض النفس عن الدّنيا و زهراتها و قطع الالتفات إلى ما سوى اللّه تعالى و بعبارة أقصر هو حذف موانع الالتفات إليه سبحانه و لا يتحقّق ذلك إلّا بحذف الموانع الدّاخلة النفسيّة عن النفس مثل محبّة غير اللّه تعالى و الميل إلى ما سواه و حذف الموانع الخارجة مثل متاع الدّنيا و زهراتها و إليه يشير قول بعض الأكابر الزّهد ثلاثة أحرف زاء و هاء و دال فالزاى ترك الزّينة، و الهاء ترك الهوى، و الدال ترك الدّنيا، و ممّا يبعث على سلوك هذه الطريقة هو تلاوة القرآن الكريم و التدبّر في آياته فإنّها تثمر محبّة الحقّ و التوجّه إلى الآخرة و تغسل عن لوح القلب درن الوساوس و خبث الرّذايل و رين الميل إلى الدّنيا، ثمّ مطالعة أحوال الماضين و رفضهم ما كانوا عليه من الدّنيا و زخارفها و انقطاع أيديهم عنها و استقرارهم في القبور، ثمّ التأمّل في أحوال الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) مع كمال تمكّنهم من الاستمتاع من الدّنيا و تركهم لها طوعا و رغبة في ثواب اللّه و مقام القرب منه و ذلك دليل على ذمّ الدّنيا و عيبها و كثرة مساويها «فانظر إلى حال كليم اللّه موسى بن عمران (عليه السلام) [١] إذ يقول:
[١] مأخوذ من النهج خ ١٥٨ اولها «أمره قضاء» و الدنيا المذمومة هى أن يكون الغاية و الغرض و الشيء المطلوب لذاته فانه اصل كل خطيئة و رأس كل معصية فان الانسان لا يرتكب معصية من المعاصى من اكبر كبائرها كالظلم و القتل الى أصغر صغائرها الا لان الدنيا مطلوبة عنده لذاته و لو عقل أن في الوجود عالما آخر روحانيا باقيا ببقاء اللّه و أن الانسان من ذلك العالم و يرجع إليه البتة و أن اللذة فيه اضعاف ألذ اللذات التى يحصل له هاهنا و أن الآلام هناك أضعاف أشد الآلام كالنار الدنيوية لم ينظر الى الدنيا و زخارفها و لم يلفت الى لذاتها و لا يأسف على فوات شيء منها و لا يرتكب معصية توجب لذة عاجله فانية و آلاما آجلة باقية (ش).