شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٤ - «الشرح»
..........
ينتج لا يتحقّق حقيقة الدّين لمن ليس له حقيقة العقل، و المقدمتان ظاهرتان ضرورة أنّ من كان له مروءة في الجملة كان له دين في الجملة و من كان له عقل في الجملة كان له مروءة في الجملة، و يحتمل أن يكون النفى فيها واردا على الكمال كما هو الشائع في استعمال نحو هذا الكلام، و المعنى لا يتحقّق كمال الدّين لمن ليس له كمال المروءة و لا يتحقّق كمال المروءة لمن ليس له كمال العقل، ينتج لا يتحقّق كمال الدّين لمن ليس له كمال العقل، و المقدمتان أيضا ظاهرتان و لا يجوز أن يراد في الاولى نفي الحقيقة و في الثانية نفي الكمال أو بالعكس لفقد الارتباط حينئذ بين الفقرتين و عدم الانتاج لعدم تكرّر الأوسط. و الأوّل أظهر لما مرّ، و الثاني أنسب بما بعده، و لمّا بيّن (عليه السلام) أنّ المروءة و الانسانية بالعقل و كان كلّ واحد منهما مستورا لا يدركه الحواس و كانت الظواهر أدلّة على البواطن كما مرّ أشار إلى أنّه يعرف ذلك بترك الدّنيا و عدم الرّكون إليها، و إلى أنّ مراتبه متفاوته في الشدّة و الضعف بقوله:
(و إنّ أعظم النّاس قدرا الّذي لا يرى الدّنيا لنفسه خطرا)
(١) الخطر: الحظ و النصيب و القدر و المنزلة و السّبق الّذي يتراهن عليه، و قد أخطر المال أي جعله خطرا بين المتراهنين، و يجوز إرادة كلّ واحد من هذه المعاني هنا، أما الأوّلان فظاهران لأنّ أقدار النّاس عند اللّه سبحانه في الدّنيا و الآخرة متفاوتة في الفضل و الكمال و القرب و البعد و أعظمهم قدرا من لا يرى الدّنيا حظا و نصيبا و قدرا و منزلة لنفسه و لا يلتفت إليها أصلا لتنوّر قلبه بضوء عقله و إشراق لبّه بنور ربّه، فعاد بحيث لا ينظر إلّا إليه و لا يرغب إلّا فيما لديه و لعلمه بأنّ الدّنيا و الآخرة عدوان متفاوتان و سبيلان مختلفان و هما بمنزلة المشرق و المغرب، و أنّ من أحبّ الدّنيا و تولّاها أبغض الآخرة و عاداها، و أنّ من مشى إلى إحداهما بعد عن الاخرى، و أنّ مرارة الدّنيا حلاوة الآخرة، و حلاوة الدّنيا مرارة الآخرة، و أنّ الدّنيا موبقة زهراتها مهلكة شهواتها، باقية آفاتها، دائمة كدوراتها، حائلة بين المرء و الطاعة لذّاتها، فلذلك ترك الدّنيا من وراء ظهره و سار إلى حضرة المولى فصار عنده أعظم قدرا