شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٦ - «الشرح»
..........
القدس و يعلم آفات الدّين و كيفيته اجتنابه عن تلك الآفات و يعمل بمقتضى عقله الصريح و ذهنه الصحيح فيتمّ له بهذين العلمين مع العمل نظام الدين و كمالاته، و يسلم عن مفاسده و آفاته، و أما للأوّل فلما أشار إليه بقوله
(فمن عقل قنع بما يكفيه)
(١) لأنّ العاقل إذا نظر إلى جلال اللّه و آثار ملكه و ملكوته و إلى أحوال الآخرة و ما فيها من المقامات العالية و اللّذات الروحانية و إلى ما حصل له عجالة من الأنوار العقليّة و الفيوضات القلبيّة و إلى أن كماله فطام النفس عن الشهوات و نزع القلب عن الأماني و الشبهات و ترك ما يمنعه من التوجّه إلى الآخرة من الزهرات و خلو السرّ عن النظر إلى الدنيا و ما فيها من المقتنيات استحقر الدّنيا و ما فيها و رجع بالكلّية إلى حضرة الحق و ما في الآخرة من المقامات فيقنع من الدنيا بقدر الكفاف و بما يقيم به بدنه و قواه و يقدر به على الإقامة بالطاعات إذ التعرّض للزّايد على ذلك لقصور العقل و ضعف اليقين و فتور النيّات و خلو النفس عن المعارف النورانية و إلفها بالمحسوسات و انفتاح عينها إلى الامور الدنيويّة و الصور الوهمية و احتباسها فى الظلمات و غفولها أنّ الدّنيا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا فيضيع سعيه و يزداد عليه الندامة و الحسرات
(و من قنع بما يكفيه استغنى)
(٢) بما يكفيه عن الزّائد أو بالاخرة عن الدّنيا أو بالحقّ عن الخلق فانّ من رضي بالقوت و توكّل على الحيّ الّذي لا يموت لم يفتقر إلى غيره لأجل المسكنة
(و من لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا)
(٣) لأن الغنى هو الكفاف فمن لم يكفه الكفاف فجميع ما في الأرض لا يكفيه، و لأنّ طلب الزّيادة منوط بالحرص، و مراتب الحرص غير محصورة، فاذا حصلت له مرتبة من تلك المراتب طلب ما فوقها فلذلك قال عيسى (عليه السلام) لأصحابه: يا معشر الحواريين لأنتم أغنى من الملوك، قالوا: و كيف يا روح اللّه؟ و ليس نملك شيئا، قال: أنتم ليس عندكم شيء و لا تريدونه و هم عندهم أشياء و لا يكفيهم.