شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٩ - «الشرح»
..........
فإنّه يروح جائعا و يرجع شبعانا، و منها ما في خلقه صنعة عجيبة كالبعوضة فانها مع صغرها على هيئة الفيل مع زيادة الجناحين تطير بهما. و منها ما لا يحتاج إلى بيت بل يبيت حيث كان من الأرض، و منها ما يحتاج إليه و يبنيه على شكل عجيب غريب لا يهتدي إليه المهرة من المهندسين كالنحل، و كلّ ذلك و غيره مما يتعذّر عدّه و إحصاؤه دلّ على أنّ في الوجود موجودا عالما حكيما يفعل ما يشاء كيف يشاء، و إليه ينتهي الموجودات على تفاوت طبائعهم و مراتبهم الّتي أرفعها و أعلاها و أشرفها و أسناها المرتبة الانسانيّة لأنّ الإنسان على تفاوت الطبقات في العقل و الإدراك خلق له أكثر هذه الموجودات فبعضها لمأكله و مشربه و سائر منافعه و بعضها يستدلّ به على وجود صانعه و قدرته و علمه و حكمته بل لو لم يكن في هذا العالم موجود سواه و تأمّل في مبدأ نشئه و صورته و أعضائه و منافع قواه الظاهرة و الباطنة و في أحوال نفسه و عقله و علمه بالمعلومات الكلّية و الجزئية و إحاطته بالمدركات العقليّة و الحسيّة علم أنّه مخلوق مغلوب مقهور له خالق غالب قاهر مصوّر عليم حكيم، فإنّه إذا اعتبر مثلا حاله حين كونه نطفة في الرّحم و صيرورته جنينا حيث لا تراه عين و لا تناوله يد مع اشتماله على جميع ما فيه قوامه و صلاحه من الاحشاء و الجوارح و سائر الاعضاء من العظام و اللّحم و الشحم و المخّ و العصب و العروق و الغضروف و هو محجوب في ظلمات ثلاث ظلمة البطن و ظلمة الرّحم و ظلمة المشيمة و لا حيلة له في طلب غذائه، و لا دفع أذاه، و لا استجلاب منفعته، و لا دفع مضرّته، و قد جرى إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات فلا يزال ذلك غذاه حتّى إذا كمل خلقته و استحكم بدنه و قوي أديمه على مباشرة الهواء و بصره على ملاقات الضياء هاج الطلق [١] بامّه فأزعجه أشدّ إزعاج و اعنفه حتّى يولد، و إذا ولد صرف ذلك الدّم الّذي كان يغذوه في الرّحم إلى ثديي أمّه و انقلب الطعم و اللّون إلى ضرب آخر من الغذاء و هو أشدّ موافقة له من الدّم فيوافيه في وقت حاجة إليه و حين تولد قد تلمظ و حرّك شفتيه طلبا للغذاء
[١] الطلق و جمع الولادة و المخاض.