شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٧ - «الشرح»
..........
جنوب إلى شمال، و من علوّ إلى سفل، و من سفل إلى علوّ، ذلك تقدير العزيز العليم، و أمّا الثالث فهو أشار إليه سبحانه بقوله
(فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا)
(١) أى بسبب ما يتبعه من النباتات و الحيوانات و الكلام هنا في ثلاثة امور الأوّل في كون النبات و الحيوان حياة الأرض، و مجمل القول فيه أنّ نسبة النبات و الحيوان إلى الأرض كنسبة النفس إلى الحيوان فكما أنّ الحيوان بلا نفس ميّت عديم المنفعة، كذلك الأرض بلا نبات و لا حيوان، و من ثمّ قيل: الأرض بما فيها من النبات و الحيوان بمنزلة حيوان واحد تموت عند الجدب و الشتاء و يحيى عند الخصب و الرّبيع، و الثاني في أنّ الماء سبب لحياة النبات و الحيوان و هما يحتاجان إليه احتياجا شديدا، و وجهه ظاهر لأنّ القوى النباتية و الحيوانية في جذب الغذاء و الالصاق و التنمية تحتاج إلى ماء يرطب ذلك الغذاء و يعدّه للنفوذ في المنافذ الضيّقة و يعين تلك القوى في أعمالها، و إذا فقد الماء بطلت أعمالها و إذا بطلت أعمالها عدم الحيوان و النبات و بالجملة الانسان و سائر الحيوانات و الزّروع و ساير النبات يحتاجون إليه في الوجود و النموّ و البقاء احتياجا شديدا. و قال صاحب العدّة روي أنّ بعض الوعاظ دخل على هارون الرشيد فقال له هارون عظني، فقال: أراك لو منعت شربة ماء عند عطشك بم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: أ تراها لو جبست عنك عند خروجها بم كنت تشتريها؟ قال: بالنصف الباقي، قال: لا يغرّنّك ملك قيمته شربة ماء، و الثالث في دلالة إحياء الأرض بالمطر على وجود الصانع المدبّر للعالم و ذلك أنّ البرد في الشتاء يوجب كثافة الهواء و الأرض و الشجر و يبس ظاهرها فتعود القوى النباتيّة و الحرارة الغريزية في الشجر و النبات، و تستقرّ في بطونها و أصولها و تهيئ فيهما موادّ الثمار و تولد الأمثال فاذا نزل الماء وقت الرّبيع الّذي هو وقت بروز ما في البطون و ظهور ما فى الكمون انتفخت الأرض و اهتزّت و تحرّكت القوى و الحرارة و تتولد المواد الكامنة في الشتاء فيطلع النبات و يتنوّر الأشجار و الأزهار و يخرج أصناف مختلفة مونقة رائقة من الثمار الّتي يتمتّع بها الانسان و غيره من أنواع الحيوان