تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٥٩٠ - الفصل الخامس في بيان استشهاد طفلي مسلم بن عقيل
ضيّقت علينا سجننا.
(١) فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبلهما و يقول: نفسي لنفسكما الفداء، و وجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبيّ اللّه المصطفى، هذا باب السجن بين يديكما مفتوح، فخذا أي طريق شئتما.
فلمّا جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير و كوز ماء القراح، و وقفهما على الطريق و قال لهما:
سيرا يا حبيبيّ الليل و اكمنا النهار حتى يجعل اللّه عز و جل لكما من أمركما فرجا و مخرجا، ففعل الغلامان ذلك.
فلمّا جنهما الليل انتهيا الى عجوز على باب فقالا لها: يا عجوز انّا غلامان صغيران غريبان حدثان، غير خبيرين بالطريق، و هذا الليل قد جنّنا أضيفينا سواد ليلتنا هذه فاذا أصبحنا لزمنا الطريق، فقالت لهما، فمن انتما يا حبيبيّ فقد شممت الروائح كلّها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما؟
(٢) فقالا لها: يا عجوز نحن من عترة نبيك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل، قالت العجوز: يا حبيبيّ انّ لي ختنا [١] فاسقا قد شهد الوقعة مع عبيد اللّه بن زياد أتخوّف أن يصيبكما هاهنا فيقتلكما، قالا: سواد ليلتنا هذه فاذا أصبحنا لزمنا الطريق، فقالت:
سآتيكما بطعام ثم اتتهما بطعام فأكلا و اشربا.
(و في رواية اخرى قالا: لا حاجة لنا الى طعام لكن افرشي لنا و سادة كي نقضي فوائتنا) فلمّا ولجا الفراش قال الصغير للكبير: يا أخي انّا نرجو أن نكون قد امنّا ليلتنا هذه فتعال حتى أعانقك و تعانقني و أشمّ رائحتك و تشمّ رائحتي قبل أن يفرق الموت بيننا، ففعلا الغلامان ذلك و اعتنقا و ناما.
(٣) فلما كان في بعض الليل أقبل ختن العجوز الفاسق حتى قرع الباب قرعا خفيفا فقالت العجوز: من هذا؟ قال: أنا فلان، قالت: ما الذي أطرقك هذه الساعة و ليس هذا لك بوقت؟
قال: ويحك افتحي الباب قبل ان يطير عقلي، و تنشق مرارتي في جوفي، جهد البلاء قد نزل
[١] الختن: زوج فتاة القوم.