تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٨ - كتابة التاريخ من جديد
فعند ما ندرس حضارة وادي النيل سوف لا تغرّنا أهرامات الجيزة و توحي لنا بعظمة الفراعنة بقدر ما توحي لنا التفاوت الطبقي الشديد و ظلم الطبقة الحاكمة و الجهل المطبق الذي كان سائدا في ذلك الزمان بحيث استطاع الفراعنة تسخير عشرات الالوف من العبيد لبناء اهرامات عملاقة لامر تافه و هو الحفاظ على الموتى من العائلة المالكة، و كان يمكنهم الاستفادة من هذه الخبرات العمرانية و الطاقات العالية في ما ينفع الناس، و القرآن الكريم يصور لنا عصر الفراعنة بقوله:
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [١].
اما كتابة التاريخ على النمط السائد فانه يوحي للقارئ بعظمة هؤلاء الملوك و السلاطين، و سيؤثر نفسيا على القارئ فيتصور ان الملك و السلطان أعلى مرتبة ينالها الانسان في حياته الى درجة انّ التاريخ سيخلّد اسمه مع العظماء كما خلّد السلاطين من قبل، و الحاكم بدروه يحاول البقاء أطول فترة زمنية و يوسّع من سلطانه و حكومته حتى يذكره التاريخ في سلسلة عظماء الرجال، فكان هذا التخليد الوهمي سببا لكثير من الحروب و المظالم التي جرت في تاريخ البشرية.
ثانيا: ان هذا المنهج يسلم من التحريف الذي يتخبط فيه المنهج السائد، لان الملوك عادة يحرفون التاريخ بما يتلائم مع افكارهم و يخدم وجودهم فيتهمون الطرف الآخر بالتهم الباطلة و يثبّتونها في المتون التاريخية على اساس انها حقائق و المؤرخون و الكتّاب من رجال البلاط بدورهم يكتبون الوقائع التاريخية و يحللونها على هذا الاساس، و بعد ان فقدوا الميزان العادل في تحليلاتهم و كتاباتهم حلّت المصالح المادية و النزاعات القومية و الوطنية، فيقرأ كل قوم سيرة تاريخهم و تاريخ الاقوام الاخرى بميزان غير دقيق، فنجد القارئ و بدافع من
[١] القصص، الآية ٤