تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٦٩٨ - «مقتل الطفل الرضيع»
هجم عليهم كالليث الغضبان و مزّق صفوفهم حتى وصل الى المشرعة و أقحم الفرس على الفرات، فلما أولغ الفرس برأسه ليشرب قال: أنت عطشان و أنا عطشان و اللّه لا ذقت الماء حتى تشرب، فلمّا سمع الفرس كلام الحسين عليه السّلام شال برأسه و لم يشرب كأنّه فهم الكلام، فقال الحسين عليه السّلام: فأنا أشرب، فمد الحسين عليه السّلام يده فغرف من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد اللّه تتلذذ بشرب الماء و قد هتكت حرمك، فنفض الماء من يده و حمل على القوم، فكشفهم فاذا الخيمة سالمة [١]، و قد خدعه القائل.
(١) فودع أهل بيته مرّة أخرى، فاجتمعوا حوله بأكباد حرى و قلوب منكسرة و لا يمكن وصف ما جرى عليهم في تلك الساعة و لا يقدر على تحرير تلك الحالة محرر أو كاتب أبدا، (٢) على أي حال، فودّعهم و أمرهم بالصبر و وعدهم بالثواب و الأجر و أمرهم بلبس أزرهم و قال لهم: استعدوا للبلاء و اعلموا انّ اللّه تعالى حافظكم و حاميكم و سينجيكم من شرّ الاعداء و يجعل عاقبة أمركم الى خير و يعذب أعاديكم بأنواع البلاء و يعوضكم اللّه عن هذه البلية بأنواع النعم و الكرامة، فلا تشكّوا و لا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم [٢].
ثم جاء الى الميدان و هجم على الاعداء يقتلهم بالسيف و يبدد جموعهم فيتساقطون على الارض كأنّهم أوراق الشجر حينما يتساقط في الخريف، فرموه بالسهام و النبال فتلقاها بصدره و نحره و وجهه احتسابا عند اللّه حتى صار صدره الشريف كظهر القنفذ من كثرة السهام النابتة فيه، و طبقا لرواية الامام الباقر عليه السّلام انّه أصيب بثلاثمائة و بضعة و عشرين طعنة برمح و ضربة بسيف أو رمية بسهم [٣]، و روى اكثر من هذا أيضا.
و كانت جميع تلك الجروح في مقدم بدنه و لم يصب بجرح خلفه لانّه كرار غير فرّار، فوقف يستريح ساعة و قد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف اذ أتاه حجر فوقع في جبهته الشريفة،
[١] البحار، ج ٤٥، ص ٥١
[٢] نفس المهموم، ص ٣٥٥
[٣] المناقب، ج ٤، ص ١١٠