تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٣٣٩ - الفصل الثالث في بيان شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام على يد اللعين ابن ملجم المرادي
ايماء من جلوس يميل تارة و يسكن اخرى.
(١) فلما فرغ الحسن عليه السّلام من الصلاة جاء الى ابيه و أخذ برأسه و قال: وا انقطاع ظهراه يعزّ و اللّه عليّ أن أراك هكذا.
ففتح عينه و قال:
يا بني لا جزع على أبيك بعد اليوم، هذا جدّك محمد المصطفى و جدتك خديجة الكبرى و أمّك فاطمة الزهراء، و الحور العين محدقون منتظرون قدوم ابيك، فطب نفسا و قرّ عينا و كفّ عن البكاء، فانّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم الى السماء.
ثمّ شدّوا الجرح بردائه و جاءوا به الى المسجد، و شاع الخبر في جوانب الكوفة و انحشر الناس حتى المخدرات خرجن من خدورهنّ الى الجامع ينظرن الى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
(٢) فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن و رأس ابيه في حجره، و قد غسل الدم عنه، و شدّ الضربة و هي بعدها تشخب دما، و وجهه قد زاد بياضا بصفرة و هو يرمق السماء بطرفه و لسانه يسبّح اللّه و يوحّده و هو يقول:
«الهي أسألك مرافقة الأنبياء و الاوصياء و علا درجات جنّة المأوى».
فغشي عليه ساعة، فبكى الحسن بكاء شديدا، فسقط من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين عليه السّلام، ففتح عينه و رآه باكيا فقال له:
(٣) يا بني يا حسن ما هذا البكاء و الجزع، يا بني أ تجزع على ابيك، و غدا تقتل بعدي مسموما مظلوما، و يقتل أخوك بالسيف هكذا، و تلحقان بجدّكما و ابيكما و أمّكما.
فقال له الحسن عليه السّلام: يا ابتاه ما عرفنا من قتلك و من فعل بك هذا؟
قال: قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن ابن ملجم المرادي ... و انه سيطلع عليكم من هذا الباب، و أشار بيده الشريفة الى باب كندة.
و لم يزل السمّ يسري في رأسه، فاشتغل الناس بالنظر الى الباب و يرتقبون قدوم الملعون، و قد غصّ المسجد بالعالم ما بين باك و محزون، فما كان الّا ساعة و اذا بالصيحة قد ارتفعت