تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٨٩ - الوجه الثاني «في علمه
... و كان أيضا منحرفا عن الشيعة.
فاتفق قوم من رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يبكّته و يسأله تحت منبره و يخجله و يفضحه بين الناس في المجلس، فأشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف باحمد بن عبد العزيز الكزّي، كان له لسن، و يشتغل بشيء يسير من كلام المعتزلة و يتشيّع، و عنده قحة، و قد شدا أطرافا من الادب.
فجلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت عادته بالجلوس فيه، و اجتمع الناس عنده على طبقاتهم حتى امتلأت الدنيا بهم و تكلّم على عادته فأطال، فلمّا مرّ في ذكر صفات الباري سبحانه في اثناء الوعظ، قام إليه الكزّي فسأله أسئلة عقلية على منهاج كلام المتكلمين من المعتزلة فلم يكن للواعظ عنها جواب نظري و إنمّا دفعه بالخطابة و الجدل و سجع الالفاظ، و قال الواعظ في آخر الكلام:
أعين المعتزلة حول، و صوتي في مسامعهم طبول، و كلامي في أفئدتهم نصول، يا من بالاعتزال يصول، ويحك كم تحوم و تجول، حول من لا تدركه العقول! كم أقول! كم أقول! خلّوا هذا الفضول؟
فارتجّ المجلس و صرخ الناس و علت الاصوات و طاب الواعظ و طرب و خرج من هذا الفصل الى غيره، فشطح شطح الصوفية و قال: سلوني قبل أن تفقدوني، و كررها، فقام إليه الكزّي فقال: يا سيدي ما سمعنا انّه قال هذه الكلمة الّا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و تمام الخبر معلوم، و أراد الكزّي بتمام الخبر قوله عليه السّلام: لا يقولها بعدي الّا مدّع كذاب.
فقال الواعظ و هو في نشوة طربه و أراد اظهار فضله و معرفته برجال الحديث و الرواة: من عليّ بن أبي طالب؟ أ هو عليّ بن أبي طالب بن المبارك النيسابوري؟ أم عليّ بن أبي طالب ابن اسحاق المروزي؟ أم عليّ بن أبي طالب بن عثمان القيرواني؟ أم عليّ بن أبي طالب ابن سليمان الرازي؟ و عدّ سبعة أو ثمانية من اصحاب الحديث كلّهم عليّ بن أبي طالب.
فقام الكزي و قام من يمين المجلس آخر و من يسار المجلس ثالث انتدبوا له و بذلوا أنفسهم للحميّة و وطّنوها على القتل، فقال الكزّي: أشّا يا سيّدي أشّا!! صاحب هذا القول هو عليّ بن أبي طالب زوج فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السّلام و ان كنت ما عرفته بعد بعينه فهو الشخص الذي لما آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين الاتباع و الأذناب آخى بينه و بين نفسه و أسجل على انّه نظيره و مماثله فهل نقل في جهازكم أنتم من هذا شيء؟ أو نبت تحت خبّكم من هذا شيء؟
فأراد الواعظ ان يكلّمه فصاح عليه القائم من الجانب الايمن و قال: يا سيدي، محمد بن عبد اللّه كثير في الاسماء و لكن ليس فيهم من قال له رب العزة:
«ما ضلّ صاحبكم و ما غوى و ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى».
و كذلك عليّ بن أبي طالب كثير في الاسماء و لكن ليس فيهم من قال له صاحب الشريعة: «أنت منّي بمنزلة