تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٤٥ - الأساس الأول الأساس القرآني
قلنا: تدل هذه الآية على هيمنة الاسلام على تينك الشريعتين. و هذا صحيح. و يكفي فيه ان تكون الكثرة الكاثرة في المجتمع مسلمة، و يكون الحكم إسلاميا بكل تفاصيله. و هذا لا ينافي أن يكون تطبيق هؤلاء لأحكام دينهم بشكل شخصي مجزيا و كافيا لهم في تطبيق العدل و انجاز التخطيط. و خاصة مع الالتفات إلى تتمة هذه الآية:
«لكل جعلنا شرعة و منهاجا. و لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، و لكن ليبلوكم فيما آتاكم ...» [١].
و الابتلاء هو الاختيار و التمحيص.
فان قال قائل: إن قوله تعالى:
وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [٢].
يدل على انحصار الشريعة بالاسلام بشكل لا يعوّض عنه شيء.
قلنا: هذا الاستدلال يحتوي على جهل بمعنى الأطروحة التي ذكرناها و الأمرين اللذين اشرنا إليهما. فان اليهود و النصارى، إن طبقوا كلا الأمرين كانوا بحكم المسلمين فعلا ... أما من الناحية العقائدية، فلايمانهم بصدق نبي الاسلام. و أما من الناحية السلوكية، فلأن دين الاسلام أجازهم باتباع دينهم، على م هو المفروض في هذه الاطروحة المستفادة من القرآن الكريم.
و خاصة إذا التفتنا إلى الآية السابقة على هذه الآية الأخيرة التي ذكرها السائل، و هي قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.. حيث دلت على وحدة خط الأنبياء و صدقهم جميعا، الأمر الذي انطلقت منه هذه الاطروحة.
فإذا صدقت هذه الاطرحة، لا يكون وجود اليهود و النصارى منافيا مع وجود المجتمع المعصوم، بل انهم سوف ينالون العصمة بصفتهم يهودا و نصارى، كما سينالها المسلمون بصفتهم مسلمين. و بذلك يتم المستوى الثاني من الجواب الثالث على المناقشة الأولى للتخطيط العام.
إلا ان هناك من الأدلة ما يصلح لنفي هذه الاطروحة، مما يضطرنا إلى ان نفهم
[١] نفس السورة و الآية.
[٢] آل عمران:/ ٨٥.