تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٠١ - التخطيط السادس المنتج لفناء البشرية
الوجه الثالث: اننا بعد أن فرضنا ان الأجيال الأخيرة من مجتمع (ما بعد العصمة) يكون لها المشاركة الفعالة في بناء الكون و تسلسل حوادثه، يمكن أن تكون مشاركة في إيجاد هذه الظواهر المشار إليها، بشكل و آخر لا نستطيع تحديده الآن بطبيعة الحال. و من الواضح ان من يتضرر بهذه الحوادث إنما هو من وجدت ضده، لا من شارك في إيجادها مشاركة فاعلية. فإن ذلك يكون من كماله و نفعه لا من ضرره بطبيعة الحال.
بل قد يمكن أن نتصور أنها ليست غريبة في نظرهم، بل تبدو اعتيادية و متوقعة و مفهومة بالنسبة إليهم، بعد أن تعوّدوا المشاركة في البناء الكوني، و تشرّبوا أساليبه.
إذن، فالأطروحة الأولى، هي الطبيعية الانسجام مع التسلسل الفكري للتخطيط (البشري) العام. إذ تكون البشرية قد سارت خلاله سيرا تكامليا واضحا من الصفر إلى المائة لو صح هذا التعبير. و إنّما تحتاج الأطروحة الثانية إلى تصور مبرراتها و أساليبها، لكونها بمنزلة الاستثناء من هذا التسلسل الفكري.
- ٥- و أما بالنسبة إلى الأطروحة الثانية، فيكفي في إمكان دحضها عدم تصور المبرر المعقول لوجودها، بعد الذي قلناه في الأطروحة الأولى من عدم تنافي حوادث يوم القيامة مع المجتمع المعصوم، و عدم وجود الدليل الكافي على صحتها، لأن ما دل عليها خبر واحد لا يكفي للاثبات و لم ينص القرآن الكريم أو السنة القطعية على ذلك.
هذا مضافا إلى عدم انسجامها مع مجتمع (ما بعد العصمة) إذ يستحيل- عادة- أن تعود البشرية إلى الفسق و الانحراف بعد أن ذاقت طعم الحق و العدل و مارسته بأوضح صوره و شاركت في البناء الكوني مشاركة حقيقية. فإذا عرفنا أن مجتمع ما بعد العصمة سيوجد لا محالة، لأن المجتمع المعصوم سيبقى المدة الطويلة التي تكفي- مع التربية المركّزة المستمرة- لتحوّله إلى مجتمع ما بعد العصمة. إذن يتبرهن عدم صحة الأطروحة الثانية.
إلا أن نقطة الضعف في هذا البرهان الأخير، هو احتمال عدم استمرار التركيز في التربية بعد حدوث مجتمع العصمة و بقائه المدة الكافية. لأن الأطروحة الثانية لو اكتسبت مبرراتها الكافية، كان لا بد في وجودها من سحب هذا التركيز