تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٢٥ - تطور الفكرة المهدوية في التخطيط العام
- ٦- و حين يتحقق الشرط الأول من شرائط الدولة الموعودة، بوجود الاسلام يكون قد اقترب وجودها- بطبيعة الحال- أكثر؛ و سيكون هذا النظام التشريعي مع تكوينه العقائدي هو المطبق في تلك الدولة، و ما بعدها من المجتمعات. و سيكون من الضروري من أجل إيجاد الشرط الثاني، مرور البشرية بظروف تمحيص صعبة على هذه الأطروحة الجديدة العادلة.
... إذن، ينبغي ان يكون المجتمع مطلعا على عدد من خصائص هذه الدولة و مقدماتها، ليكون على بصيرة من أمره تجاهها، من حيث الايمان بها من ناحية و تطبيق مستلزماتها العاطفية و العملية من ناحية أخرى.
و قد أوضح الاسلام جهات كثيرة جدا من جوانب التخطيط الالهي و الفكرة المهدوية و الدولة العالمية، و قد تشارك القرآن الكريم و السنة الشريفة في ذلك، كما شارك التأريخ الاسلامي العام في ذلك أيضا.
و لا يمكن أن تخفى هذه الجوانب على قارىء هذه الموسوعة، و لكننا ربطا للفكرة يمكننا ان نلخص أهم الجهات فيما يلي:
الجهة الأولى: أن الفكرة التي كانت موجودة في الاستهداف العام لخلق البشرية، و هي تكوين المجتمع الصالح على أيدي أناس منسجمين مع فكرة هذا الاستهداف و هذا التخطيط. هذه الفكرة أصبحت وعدا قرآنيا، فاتخذت درجة ملزمة من ناحية جديدة، و هي ان اللّه تعالى لا يخلف الميعاد و هي جهة برهانية صحيحة سرنا على طبقها في (تاريخ الغيبة الكبرى) [١].
فقد أصبح الاستهداف وعدا، في أكثر من آية من آيات القرآن الكريم. منها قوله تعالى:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً. وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [٢].
لا حظ معي ان نفس الفكرة موجودة في الزبور [٣] كما هي موجودة في القرآن إلا
[١] انظر مثلا ص ٢٣٧ منه.
[٢] النور: ٢٤/ ٥٥.
[٣] انظر المزامير: ٣٧/ ١٩ و ٢٣ و ٣٠.