تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٧٧ - الجانب الدنيوي بعد العصر الموسوي
مؤمنين؛ و أما حين انسلخوا عن الايمان، فقد لحقتهم لعنة الرب، على ما صرحت به التوراة المتداولة نفسها [١] و انسلخوا من كل هذه المفاهيم. و بقيت هي محافظة على نقائها و طهارتها لمن ورث الايمان الحقيقي في أي جيل من الأجيال، و بقي منسجما مع التخطيط العام و أهدافه.
- ٨- الجانب الخامس: جانب الجهل و التخلف الذي كان هو صفة للمجتمع في شبه الجزيرة العربية.
يبدو لأول و هلة ان هذه المنطقة كانت محجوبة عن دعوات الأنبياء، و انها أخذت منذ عهد بعيد مسارا خاليا من النبوات، من الناحيتين الفكرية و التشريعية.
فانه لم يعهد ان وجد فيها نبي قبل نبي الاسلام، بعد ان مر فيها ابراهيم (عليه السلام)، و أقام بناء بيت اللّه الحرام بمكة، و لا يعلم انه هل كان له تأثير واسع أو لم يكن ... و إنما كل ما وجدناه هو ان المجتمع أصبح و ثنيا، تعيش أجياله على الوثنية من أمد بعيد.
و إلى ذلك يشير قوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [٢]. و ان الفترة المتخللة بين ورود ابراهيم (عليه السلام) لهذه البلاد، و بعثة نبي الاسلام، و التي تزيد على ألفي عام، كافية لصدق هذه الآية بكل وضوح.
إلا ان الشيء الذي ينبغي أن يكون ثابتا، هو أن تأثير النبوات كان موجودا و قويا، لكن بشكل لا يسيطر على الجو العام، الذي كان يمثل الجهل و الوثنية.
و المظنون أن الأثر الأهم لذلك، إنما هو لإبراهيم (عليه السلام)، حيث استطاع أن يبقي في تلك البلاد خطا حنيفيا على نطاق محدود، متوارثا جيلا بعد جيل حتى كان أشهر من تمثلت فيه هذه الحنيفية قبيل الاسلام هو (عبد المطلب بن هاشم) جد النبي (ص).
فلئن كان ابراهيم (ع) قد أثر في هداية بني إسرائيل عن طريق ابنه اسحاق (ع)، فإنه قد أثر في هداية العرب عن طريق ولده اسماعيل (ع). و كلا و لديه نبي صالح و واعظ موجّه، و كان لهذه الهداية الأثر الكافي للبقاء خلال أكثر من ألفي عام، إلى أن توّجت هذه الحنيفية بالاسلام. و لم يمنع عن هذا الاستمرار وجود الشعور القبلي و التقالية القبلية المنحرفة.
[١] انظر: خروج: ٣٢/ ٣٣ و تثنية: ٢٧/ ٢٦.
[٢] القصص ٣٩/ ٦٩ و الم السجدة ٣٢/ ٣.