تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٠٢ - مناقشة مجتمع الرق
هذه المسألة لا تزال قيد المناقشة. و لكنه واضح على كل حال، انه طراز أصيل فريد من تنظيم اجتماعي ثابت جدا، و قلما طرأ عليه تغير و تطور. و إن هذا يميّزه بكل حدة عن عالم البحر الأبيض المتوسط الدينامي جدا، من حيث مقاييس ذلك الزمن» [١].
إذن، فمصر و الهند و الصين لم تمر بنظام الرق، و إنما مرّت بنظام آخر يختلف تماما عن عالم البحر الأبيض المتوسط عالم الرق الموجود في اليونان و الرومان. فكيف صح ذلك، و تحقق في عالم الوجود، إذا كانت الضرورة التاريخية لتطور وسائل الانتاج، تقتضي وجود نظام الرق على أي حال؟!.
النقطة الثانية: إن الماركسية لا تستطيع أن تبتّ بشيء جزمي في هذا الأمر الذي هي بصدده، لأنها تعترف بوجود الغبار الكثيف على التاريخ المانع من الرؤية التفصيلية و الذي يجعل أكثر التفاصيل تقوم على الحدس و الاستنتاج الشخصي دون النقل الموثوق.
ففي كتاب أصل العائلة كرر انجلز عدة مرات هذه الحقيقة، و خاصة بالنسبة إلى النموذجين المفضّلين: المجتمع اليوناني و الروماني. و إذا كان هذان المجتمعان خفيين في تاريخهما، و هما أوضح تاريخا و أشهر من أكثر مناطق العالم، فكيف بغيرهما من المجتمعات.
ففيما يخص التاريخ اليوناني، قال انجلز:
«إن تاريخ أثينا السياسي حتى سولون، ليس معروفا بصورة كافية» [٢].
و قال في موضع آخر:
«نحن لا نعرف التفاصيل بدقة» [٣].
و فيما يخص التاريخ الروماني قال:
«و بسبب الظلام الكثيف الذي يلفّ تاريخ روما الأسطوري البدائي- و هو ظلام شدّده كثيرا ما بذله علماء القانون المتأخرون الذين تشكّل مؤلفاتهم مصادرنا من محاولات لتفسير التاريخ بطريقة براغماتية عقلانية، و ما قدّموه من أوصاف و عروض بالطريقة ذاتها- يستحيل قول أي شيء دقيق» [٤].
و إذا كان التاريخ مجهولا، و الظلام كثيفا، و القول الدقيق متعذرا،
[١] المادية التاريخية: كوفالسون ص ١٢٨.
[٢] أصل العائلة ص ١٤٤.
[٣] المصدر ص ١٤٩.
[٤] المصدر ص ١٦٩.