تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٧٢ - نقد التكوين العام للمادية التاريخية
حالها من أحد شكلين: اما أن تكون حديّة في الانطباق مائة بالمائة، و اما أن لا تكون حدّية.
فإن كانت حدّية تماما، كان تطور المجتمعات على شكل واحد بالضرورة، و يستحيل أن يكون مختلفا بطبيعة الحال. و هذا خلاف الوجدان، فإن الاقطاع هنا يختلف عنه هناك و الرأسمالية هنا تختلف عنها هناك، في عدد من الصفات و الظواهر العامة. و هذا واضح من التاريخ المعاصر و القديم.
و هذا الاعتراض هو الذي تخلص عنه لينين حين قال بأن النظرية ليست حدّية بل تعطي توجيهات عامة فقط.
و لكنه في الواقع، قد وقع في اعتراض أشد، فإن النظرية إن لم تكن حدّية ... لم نستطع- أولا- أن نجزم بوجود الطور الشيوعي الأعلى، كما حاولت الماركسية أن تؤكده. بل لم نستطع الجزم بأي تغيير لأن النظرية ستصبح سببا ضعيفا مطّاطا يمكن أن تحول دونه الموانع ... فإن أنكر لينين ذلك، كان معناه كون النظرية حدّية ضرورية، و ليست ذات توجيهات عامة فقط.
و ثانيا: ما أشرنا إليه فيما سبق من أن هذه التوجيهات العامة أو السبب الضعيف، لا تصلح وحدها لانتاج التفاصيل بل لا بد أن عاملا آخر مستقلا في كل مجتمع أنتج التفاصيل الخاصة به. و معه يكون مجموع الوضع الاجتماعي ناتجا من مجموع التوجيهات العامة و العامل الآخر المستقل. و هذا العامل لا نستطيع أن نسمّيه بتطور وسائل الانتاج، بعد أن كان هذا التطور لا يمثّل إلا التوجيهات العامة فقط، أعني جزء مجموع السبب الموجب لتطور المجتمع.
و على أي حال، فمقتضى الضرورة التاريخية، التي أكّدت عليها الماركسية في نظريتها، هو كونها حدّية و ليست «موضوعات توجيهية عامة» كما قال لينين. و معه لا نستطيع أن نفسر الفرق و الاختلاف بين المجتمعات.
و يعتبر هذا الكلام من لينين تنازلا عن تلك الضرورات الفلسفية، نتيجة لضغط الواقع المعاش الذي يخالف النظرية الماركسية بوضوح.
هذا، و بعد الحديث عن التكوين العام، سنبدأ بالحديث عن العهود