تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٣٩ - الأساس الأول الأساس القرآني
المنطلق الثاني:- بعد الغض عن المنطلق الأول- أن الدين الحق واحد على وجه الأرض واحد على أي حال؛ و معه لا يمكن أن يكون مجموع اليهود و النصارى على حق. بل أما أحدهما على باطل أو كلاهما. فبقاؤهما معا إلى يوم القيامة- كما هو مقتضى الجمع بين دلالتي الآيتين- يقتضي الالتزام ببقاء دين غير محق إلى يوم القيامة.
المنطلق الثالث: بعد الغض عن المنطلقين الأولين، بمعنى احتمال أن يكون كلا هذين الدينين على حق- جدلا-. لكن القرآن يتحدث عن أناس أشرار مع أتباع هذين الدينين، و إن لم يمثلوا مجموع المتدينين منهم ... و يقول- بظاهره-: ان هؤلاء الأشرار باقون إلى يوم القيامة.
و على كل تقدير، لا يمكن أن يتحقق المجتمع المعصوم، مع بقاء الانحراف.
فإذا كان هذا المجتمع غير قابل للتحقيق، بقي التخطيط العام بلا هدف، فيكون لاغيا و الالتزام به باطلا.
و يتركز هذا الاشكال مع الالتفات إلى العداوة و البغضاء التي تكون مستعرة بينهم، فانها تكون منافية للمجتمع المعصوم الذي تسوده الأخوة و الاطمئنان.
إلا ان هذه المناقشة لا تصح لعدة وجوه:
الوجه الأول: إن النتيجة المشار إليها في الآية، و هي وجود البغضاء و العداوة إلى يوم القيامة، منوط في القرآن بقضايا معينة ... و لا يمكن أن تدوم هذه النتيجة بعد زاول هذه القضايا.
فبالنسبة إلى النصارى أنيطت النتيجة لهم بكونهم قد نسوا حظا مما ذكّروا به.
و بالنسبة إلى اليهود أنيطت النتيجة بكونهم معتقدين بأن يد اللّه سبحان مغلولة، غلّت أيديهم و لعنوا بما قالوا.
فلو حدثت الظروف الملائمة التي رفعت هذه القضايا، فجعلت النصارى يتذكرون ما ذكّروا به و على استعداد لتطبيقه في عالم الحياة ... و جعلت اليهود يرفعون أبديهم عن الاعتقاد بالقضايا الباطلة و العقائد المنحرفة. إذن ترتفع تلك النتيجة بالضرورة. و معه لا يبقي دلالة في الآيتين على بقائهم إلى يوم القيامة.
فإن قال قائل: ان ظاهر الآيتين، كون تلك النتيجة عقوبة لليهود و النصارى و معه ففي الامكان بقاؤهما إلى ما بعد زوال الذنوب.
أقول: هذا صحيح بالنسبة إلى جيل واحد، من حيث ان أفراده المذنبين يعاقبون إلى آخر حياتهم. و أما بقاء العقوبة إلى الأجيال الأخرى غير المذنبة ... فهذا