تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٧ - التمهيد الثالث مصاعب النقاش مع الماركسيين
النقاش، غير متوفرة أيضا في الفكر الماركسي ... و هي وجود مسلمات مشتركة يمكن أن ينطلق منها الجدال أو أن يقف عندها النزاع.
و كيف يمكن أن تكون هذه الحقائق موجودة، بين الماركسية و الاسلام، في حين أنهما يبدوان أمام الرأي العام على طرفي نقيض و بشكلين مستقطبين لا يمكن أن يلتقيا أبدا ...
و أي شيء تكون هذه الحقائق؟ ... بعد أن اعتبرت الماركسية الدين نتاجا بدائيا جدا لوسائل الانتاج، و نصيرا للاقطاع، و أفيونا للشعوب، و صورة مكثفة للمثالية المقيتة!!! ... كما اعتبر الدين الماركسية إلحادا و زندقة و ضيقا في النظر إلى الكون و المجتمع، و سيرا بالبشرية إلى مهاوي الفساد.
و مع وجود هذا التنافي الشاسع بينهما، لا يمكن أن توجد أي حقيقة مشتركة بينهما، يمكن أن ينطلق منها الجدال أو أن يقف عندها النزاع.
و قد ينتج من ذلك: أن الفكر الديني لا يستطيع أن يجيب على آراء الماركسيين أو أن يناقشهم ... أو على الأقل، لا يستطيع إقناع الماركسيين بآرائه، فكيف يصح لنا الكلام، و نحن ننطلق في النقاش من زاوية دينية؟! ..
إلا أن هذه الصعوبة، يمكن تذليلها بكل سهولة ... كما يلي:
أولا: إن هذه النتيجة المومى إليها، تأتي بالنسبة إلى الماركسية أيضا ... إذ مع انعدام المسلمات المشتركة، ينجح أيضا عدم إمكان إقناع المتدينين ضد فكرتهم أيضا، تماما كما هو شأن الماركسيين.
و لكن هل هذه النتيجة صحيحة، بالنسبة إلى المتدينين ... هذا ما سنعرفه فيما يلي.
ثانيا: إن الماركسية انطلقت في فهمها لنظريتها و في الاستدلال عليها، من أمثلة مقتبسة من واقع الطبيعة و المجتمع. فإذا استطعنا أن نعرف أن الواقع الموضوعي للوقائع، كالكاسة الفارغة، يمكن أن تملأه بأكثر من رأي و فلسفة و تفسير، و لا يتعين في فهمه الاتجاه الماركسي.
... و إذا استطعنا أن نفهم أن ما استشهدت به الماركسية من الوقائع إنما هو غيض من فيض لا يمكن الانطلاق منه إلى استنتاج النظرية العامة.
إذا استطعنا هذا و ذاك و غيرهما، استطعنا أن نمشي في النقاش خطوات