تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٨٧ - الجهة الأولى في بعثة المسيح
مصادرها، و انما المهم أن في مقتل المسيح (ع) أطروحتين رئيسيتين:
الأطروحة الأولى: انه مات مصلوبا، كما يموت الناس المصلوبون، بعد أن نجحت المؤامرة التي دبرت ضده.
و المفهوم أن اليهود و النصارى متفقون على هذا المقدار من الأطروحة إلا أن النصارى يضيفون طبقا لأناجيلهم: ان المسيح رجع إلى الدنيا مرة ثانية ثم صعد إلى السماء أمام طلابه.
الأطروحة الثانية: ان المسيح لم يمت كسائر الناس، و إنما تدخّل الخالق القدير عز و جل بطريق إعجازي في نجاته من هذه المؤامرة المدبرة، و رفعه إليه. إذن فقد صعد إلى السماء من دون أن يموت.
و هذا هو المطابق مع الفهم الكلاسيكي لدى المسلمين عموما، و يدل عليه ظاهر بعض آيات القرآن الكريم. و قد صرح به انجيل برنابا بوضوح [١]، و أعطى القصة تفصيلا.
و لا نريد الآن أن نرجح إحدى الأطروحتين على الأخرى. و إنما المقصود الآن أن نشير إلى موقع كل أطروحة- لو كانت صحيحة- من التخطيط الإلهي.
أما الأطروحة الأولى، فارتباطها به واضح و بسيط، فان المجتمع المنحرف الفاشل في التمحيص و البعيد عن خط النبوات، قد تسبّب إلى قتله. و اما قيامه بعد ثلاثة أيام، فهو ممكن عقلا، إلا أنه لا دليل على صحته، فان المظنون أن تكون رؤيته خيالا لطلابه، حيث تعجز النفس أحيانا عن تحمل الخبر بموت الزعيم أو القائد، فيخيل لها وجوده في الدنيا. و سوف نعرف أن هؤلاء الطلاب الناقلين لهذه الرؤية هم الأشخاص الرئيسيون الذين قاموا بتحريف المسيحية بعد المسيح. إذن فهم غير موثوقين في الإخبار عن هذه الرؤية. مضافا إلى أن هذه الفكرة واجهت نقودا قوية من قبل المسيحيين المحدثين [٢].
و أما الأطروحة الثانية: فلا بد أن ننظر فيها إلى مستويين:
المستوى الأول: ان الصعود حادث (كوني) مفروض من خارج النطاق
[١] انظر انجيل برنابا، ترجمة الدكتور خليل سعادة ص ٣٢٠.
[٢] انظر على سبيل المثال: شارل جنيبير في كتابه: المسيحية نشأتها و تطورها. ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، ص ٤٩ و ما بعدها. و اميل لودفيغ في كتابه ابن الانسان ترجمة عادل زعيتر ص ٢٠٥ ط ١٩٤٧ مصر.