تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٧٤ - الجانب الدنيوي بعد العصر الموسوي
غير أن هؤلاء الكهنة، لم يكونوا ملهمين كالأنبياء، فأصبحوا يمثلون الشعب الذي وجدوا فيه، يحملون نقائصه و نقاط ضعفه في ضمائرهم، و أصبحوا يمثلون- أيضا- طبقة خاصة ذوي مصالح و مطامع و جشع، و قد كان لهم اليد الكبرى في ترك الشريعة و عصيان الأنبياء، و قتل بعضهم بما فيهم المسيح عيسى بن مريم نفسه، و مع ذلك، كان يعتبر هم الشعب اليهودي على مستوى عال من الايمان و الطهارة، و يخضع لهم أكثر بكثير مما يخضع للأنبياء.
و استمرت النبوة و الكهانة ... إلا ان الحكم زال عن يد الدول الصغيرة، حيث استطاعت الدولة الرومانية تدريجا أن تسيطر على المنطقة و تدخل عددا من شعوبها تحت حكمها، بما فيهم اليهود. و لم تكن تلك الدولة بيهودية و لا مؤمنة، و إنما كانت و ثنية المعتقد و (علمانية) أو ملحدة في حياتها التشريعية و الاجتماعية.
و من هنا تقلص الخط الديني، و بخاصة الخط المخلص المتمثل بالأنبياء، و قتل العدد الكبير منهم. و أما الكهان فكانت لهم صيانتهم الخاصة باعتبار ما تتوقعه الدولة الرومانية من ردود الفعل الشعبية على تقدير الاجهاز عليهم، و من ثم استمر وجود الكهان و استطاعوا أن يسايروا الدولة الجديدة، و لو في نطاق ضيق.
و خلال العصر المتخلل بين السبي البابلي و نبوة المسيح، و خاصة بعد سيطرة الدولة الرومانية و يأس اليهود من الرجوع إلى الحكم، استطاع الكهان أن يحرفوا العقيدة اليهودية، بعد أن طمسوا آثار شريعتهم و شارك في طمسها ملوك اليهود أنفسهم و السبي البابلي و غيره. كما استطاعوا أن يحرفوا التوراة تحريفات كبيرة، على ما سنذكر في الفقرة التالية. كما استطاعوا أن يحددوا لوجودهم صيغا خاصة لم تكن معروفة قبل ذلك، على ما سنعرف، عسى أن يكون لهم القوة و الأهمية في المجتمع.
و قد تقبل الشعب كل ذلك بجهل و سذاجة بالغين، و اصبحت هذه التحريفات، سارية المفعول الى العصر الحاضر. و قد سبب لذلك أيضا بعد الاجيال المعاصرة لهذه الفترة عن عصور الأنبياء السابقين، و انتقال الانحرافات الخطيرة إليهم من اجيالهم السابقة.
و لا حاجة بنا إلى التكرار، بان كل هذه الانحرافات إنما هي في مصلحة التخطيط، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي أو الكهني، فانها تحتوي جميعا على كلا الناحيتين اللتين ذكرناهما في الفقرة الثانية من هذا الفصل.
و لا يخفى ما شارك فيه (القانون الروماني) الذي أصبح له فقهه الخاص