تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٥٩ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
بين عشية و ضحاها. بل كانت بحاجة إلى مواكبة هذا الواقع ردحا من الزمن.
على أن إعلان النبي- أي نبي- لفكرة القبليّة، ليس بمعنى جعل القبيلة شعارا ضد القبائل الأخرى. و إنما بمعنى أنه ليس مكلفا بغير هداية قبيلته، و مهمته مقتصرة على ذلك- و أما القبائل الأخرى فقد يوجد فيها أنبياء آخرون، بدون أن يكون هناك- من ناحية النبوة القبلية- أي داع عاطفي للنزاع بين القبائل ... بل هناك داع إيماني للأخوة و لاجتماع القبائل كلها على الايمان.
و المظنون ان النبوة القبلية، استمرت بعد عهد ابراهيم (عليه السلام) إلى بعث النبي موسى (عليه السلام)، حيث استطاع التقدم خطوة نحو العالمية.
و لعل أهم نبي قائم على الأساس القبلي في ذلك العصر، هو يعقوب (عليه السلام)، حفيد ابراهيم (عليه السلام)، وجد بني إسرائيل، الأسرة التي استطاع يعقوب تربيتها ردحا من الزمن على روح الايمان، و قد كان لها في عصورها الأولى مشاركة في النبوات، كما ان لها في عصورها المتأخرة أكبر اليد في الظلم و الطغيان البشري.
- ١٢- المرحلة الرابعة: النبوات العالمية:
تبدأ أول التفاتة عالمية- حسب ما نعرف- بالنبي موسى بن عمران (عليه السلام).
فانه في واقع قصده و دعوته، نبي عالمي، و لكنه لم يشأ إعلان هذا المفهوم كشعار واضح، و إنما استطاع أن يخرج بنطاق دعوته من قبيلته و بلاده حيث أصبحت الفكرة العالمية، و لا أقل التوسع عن النطاق القبلي، أمرا مفهوما و مشروعا اجتماعيا.
فإنه بالرغم من الزخم العاطفي القبلي الذي أكد عليه ((عليه السلام)). في دعوته عند ابتدائها. و هو البدء ببني إسرائيل، و قد كانوا في ذلك الحين الشعب المضطهد تحت الحكم الفرعوني الغاشم، و قد طالب فرعون بإطلاق سراحهم من نير العبودية و جعل بيوتهم قبلة ... و لكن بالرغم من كل ذلك فان دعوته كانت أوسع من ذلك. فانه دعى فرعون نفسه و بطانته للايمان، و هو عدو بني إسرائيل، و لو كان فرعون قد آمن لتغير تاريخ الدعوة الموسوية، و لكن أطماعه و سوء سريرته منعته من ذلك.