تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٥٨ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
و إذا كان ذلك في مصلحة التخطيط كان ضروريا. غير أن إثبات هذا الاحتمال، منوط بالعلم الالهي وحده.
- ١١- المرحلة الثالثة: النبوات القبلية:
ينبغي- في هذا الصدد- الالتفات إلى فكرتين:
الفكرة الأولى: انه يمكن اعتبار القبيلة و العالمية فكرتان مستقطبتان، بينهما درجة من التنافي، و يكون الشعور بإحداهما تارة خالصا و أخرى وسطا أما بمعنى الشعور بأهمية العمل أوسع من القبيلة و أضيق من العالم (كالوطن مثلا)، و أما بمعنى الشعور بعدم التنافي بين مصلحة القبيلة و مصلحة العالم، أو بأي معنى آخر.
و قد مرت هاتان الفكرتان في التاريخ البشري على مراحل، بدأت بالقبيلة الخالصة و انتهت بالعالمية الخالصة. ففي العصر الذي نؤرخه كان الشعور قبليا خالصا، على حين لم يلتفت الرأي العام العالمي التفاتا (قانونيا) و لم يعره أهمية تنظيمية قبل القرن الحالي. و سنعرف متى أصبحت النبوات عالمية، قبل الرأي العالم العالمي بمئات السنين.
و قد كانت النبوات إلى زمن ابراهيم (عليه السلام)، تتجنب الخوض في هذا الجدال، فهي لا تعلن أيا من الفكرتين. أما فكرة العالمية فلعدم تقبلها يومئذ، و أما فكرة القبلية، فباعتبار قيامها على اعتبارات ظالمة غير صحيحة فلم تكن هناك مصلحة لابراز أي من الفكرتين.
و لكن تدريجا أصبح يتكون من بعض أحفاد ابراهيم (عليه السلام) (قبيلة مؤمنة) عاملة بتعاليم هذا النبي العظيم، غير قائمة على المظالم التي قامت عليها القبائل الأخرى. و من هنا أمكن للنبوة أن تعلن القبيلة.
و قد تدرجت النبوات منذ ذلك الحين، ببطء شديد إلى (التجريد) و التوسع نحو الفكرة العالمية، بمعنى ان المعطى النبوي كان يتسع تدريجا، على ما سوف نرى، حتى وصل إلى إعلان العالمية الكاملة في عصر الاسلام.
الفكرة الثانية: اننا قلنا أن النبوات التربوية ينبغي لها ان تبدأ من الواقع و تحاول الارتفاع به، لا انها تبدأ من نطاق أوسع منه، فتكتب لنفسها الفشل المحتم.
و قد كان الواقع يومئذ قائما على إدراك أن القبليّة هي أحسن تنظيم اجتماعي يمكن القيام به لمصلحة المجموع، و من ثم لم يكن في إمكان النبوات تغيير هذا الواقع