تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤١٣ - الأسس الخاصة
و ذلك: انه يحتمل في بادئ الأمر منها أمران، بحسب المعنى اللغوي لمثل هذه اللام:
المعنى الأول: أن تكون اللام للغاية، و المراد به الاستهداف العمدي و الملتفت إليه من قبل الفاعل، كقولنا: أدب و لدك صغيرا لتسر به كبيرا.
المعنى الثاني: ان تكون اللام للعاقبة، و المراد حصول النتيجة من دون توقع، أو من دون تسبب من قبل الفاعل. كقوله: لدوا للموت و ابنوا للخراب. أو بتعبير أفضل: يولد الانسان ليموت و يبني البيت ليخرب.
و من الواضح عدم إمكان انطباق معنى لام العاقبة على الخالق الحكيم القدير. فيتعين أن يكون اللام للغاية. فيكون المراد من الآية حينئذ: ان هناك استهدافا عمديا في خلق البشرية في أن توجد فيها العبادة.
الأمر الثاني: إعطاء المفهوم الصحيح للعبادة، و قد سبق أن ذكرناه في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة في أكثر من مناسبة.
إذن، فقد خلقت البشرية- أو الانس- خصيصا من أجل أن يعبدوا اللّه عز و جل بمجموعهم تلك العبادة الكاملة ... ليس هم فقط ... بل الجن أيضا؛ و هذا يدل على شمول التخطيط، أو وجود تخطيط خاص بالجن، و لكننا بصفتنا بشرا لا نعرف عنهم شيئا ذا بال.
و قد أشرنا في الكتاب الثالث من الموسوعة [١]: ان هذا المفهوم يعني بالتحديد إيجاد المجتمع المعصوم برأيه العام بل المعصوم بكل أفراده، فإن عمق العبادة و عمومها يقتضي هذا المعنى بالضرورة.
إذن، يمكن القول، بأن تكامل البشرية المستهدف بالتخطيط البشري العام هو: إيجاد المجتمع المعصوم.
و بهذا أصبحت الفكرة أكثر تحديدا و عمقا مما أنتجه لنا الطريق الأول المعتمد على استلهام الفكر البشري المجرد. فإن المجتمع المعصوم هو الذي يخلو من الشحناء و الحروب و تضارب الآراء و يسوده الرفاه الاجتماعي و الاقتصادي، على ما سنرى عند استعراضنا لصفات اليوم الموعود. و لا يمكن أن تتصف تطبيقا لهذه المفاهيم و أمثالها بالخطإ أو الانحراف، بل هو يطبقها بشكلها الصحيح، باعتبار عصمته.
[١] تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الأول من الباب الأول.