تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤١٢ - الأسس الخاصة
الطريق الأول: ان الفكر الانساني يحمل فكرة ما عن المجتمع الذي تتحقق فيه السعادة و الرفاه. و هذه الفكرة مهما كانت غائمة و صغيرة، إلّا أنها تستطيع أن تمدنا ببعض التفاصيل القليلة؛ و من هنا صلح الفكر الانساني مصدرا لمعرفة صفة الكمال البشري على أي حال.
و انطلاقا من ذلك، يفترض أن هذا الكمال الذي يدركه الفكر الانساني بوجدانه، هو الذي يستهدفه التخطيط الالهي في مسيره. و قد تكون هناك إضافات و تفاصيل غير مدركة له تكون مطبقة في ذلك اليوم الموعود.
يدرك الفكر الانساني ان الخلافات الاجتماعية و الحروب مصدار للشرور، و ان الاعتداء على الآخرين- أيا كان منشؤه- مصدر لها أيضا، و ان الاختلاف في الآراء و عدم اجتماع الكلمة سبب لها أيضا، فإذا تبدلت هذه الصفات بأضدادها فساد الوئام و اتفقت الكلمة و تحسن الوضع الاجتماعي و الاقتصادي، كان ذلك من الأسس الكبرى للسعادة الاجتماعية.
و لا مناقشة لأحد في هذه الصفات. و إنما نقطة الضعف الرئيسية في هذا الطريق هو قلة الحقائق المدركة للفكر الانساني و المتفق عليها بين البشر. إذ كثير ما يختلف الناس في أن هذه الصفة أو تلك هل هي من أسباب السعادة أو لا.
و لا يبقى مما هو متفق عليه إلا حقائق قليلة ذات عموم غير تطبيقي. و معه يحتمل أن تكون الحقائق الأخرى غير المدركة أهم تأثيرا من هذه الحقائق المدركة، كما يحتمل أن يكون تطبيق الحقائق المدركة تطبيقات خاطئة أو غير متفق على صحتها على أقل تقدير. و ما هو؟ أو من هو الميزان في تشخيص صحتها من فسادها؟! ..
الطريق الثاني: الاستلهام من قوله تعالى:
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [١].
حيث دلّت الآية على أن الهدف الأساسي من خلق البشرية هو عبادتهم للّه الخالق القدير تعالى.
و يتم ذلك بالالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: إن اللام في قوله تعالى: لِيَعْبُدُونِ للغاية لا للعاقبة.
[١] انظر- مثلا-: تاريخ الغيبة الكبرى ص ٢٣٤.