تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٧٩ - مناقشة الطور الشيوعي الأعلى
و قد عرفنا أن كلمات الماركسيين، مختلفة في ضرورة نفي الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج فقط، أو ضرورة نفي الملكية الخاصة نفيا مطلقا؛ و نحن لا بد أن نتكلم على كلا التقديرين.
أما انتفاء الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج، فهو- في بعض الحدود- قد يكون له قسط من الصحة، كما سوف يأتي عند الحديث عن «اليوم الموعود».
و لكننا الآن نريد أن نتكلم في إطار ماركسي، لنرى ان الماركسية في حدود مفاهيمها عن الكون و الحياة، هل هي مصيبة في كلامها هذا، أم لا.
إنه يمكن إيراد عدة مناقشات على ذلك:
المناقشة الأولى: ما سبق أن ذكرناه في مناقشة الطور الأول، من أن ذلك يعود إلى سيطرة كبراء المجتمع على وسائل الانتاج. كل الفرق: ان الدولة في الطور الأول كانت موجودة و كانت مطلقة اليد في وسائل الانتاج فتكون شبيهة بالملكية الرأسمالية، كما سبق. و أما في الطور الأعلى، فيوجد زعماء المجتمع من رؤساء الهيئات و النقابات و أعضاء الحزب القائد ... فإن بأيديهم يكون زمام التصرف في هذه المعامل، فيكون الحال شبيها أيضا بالملكية الرأسمالية. و قد عرفنا في تلك المناقشة أنه يكون لهم فرصة تكديس الأموال إلى أكبر الحدود ...
و ان لم يكن لهم شعور حقيقي بملكية نفس العامل.
المناقشة الثانية: ما هو سبب انتقال ملكية وسائل الانتاج إلى الملكية العامة؟ إن الماركسية تتذبذب في الجواب عن ذلك بين الضرورة و الاختيار.
فبينما نرى أن قواعد المادية التاريخية، في إناطة كل مجرى التاريخ بتطور وسائل الانتاج بالضرورة، تقتضي أن هذا الانتقال ضروري الحصول أيضا.
فوسائل الانتاج إذا وصلت إلى حد معين في التطور، اقتضت أن تملك هي بالملكية العامة، و ان تنفك عنها الملكية الخاصة ... نرى إلى جانب ذلك أن الماركسية تؤكد على جانب الوعي و الاختيار بتركيز شديد ابتداء من عهد دكتاتورية البروليتاريا فصاعدا، و كلما تقدم العهد، ازداد التركيز على الاختيار.
و قد سبق أن سمعنا كوفالسون يقول:
«إن سير المجتمع الاشتراكي نحو الشيوعية يتوقف على صانعيه بالذات، على لحمتهم و وحدتهم و عقلهم و موهبتهم و نشاطهم و مبادراتهم و رجولتهم ... الخ» [١].
[١] المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص ١٤٤.