تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٦١ - مناقشة الطور الشيوعي الأعلى
عمل أو رأي واحد. فلزم وجود حاكم أعلى أو مجموعة صغيرة نسبيا من الناس تحفظ لهم تلك المصالح العامة.
و الدول تختلف، باعتبار اختلاف أشخاصها و ظروفها، في إدراكها للمصالح العامة، و في مقدار تدخلها في حياة الناس و في مقدار إخلاصها للمجتمع و في أساليب تطبيقها للمصالحة. و حيث أن الحكام- كأي انسان- تسيطر عليهم الرغبات الشخصية و المصالح الخاصة أكثر بكثير من إخلاصهم للمجتمع و مصالحهم. فبهذا الاعتبار سوف يمارسون قمع المعارضين بالطرق (السلمية) تارة و الدموية أخرى. و من هنا فهمت الماركسية أن الدولة أداة طبقية للقمع.
و في إمكاننا، إذن، أن نتصور درجة عليا من الاخلاص في الحكام المسيطرين على الدولة، بحيث يمارسون نكران الذات و يحفظون مصالح المجتمع بدرجة عليا، تماما كما افترضته الماركسية في كل أفراد الطور الأعلى أو أكثرهم على أقل تقدير. و معه لا تكون الدولة طبقية، و لا تمارس أي قمع.
و قد اعترفت الماركسية أن الدولة أحيانا لا تكون ممثلة لطبقة معينة.
قال انجلز:
«فثمة، كحالات استثنائية، مراحل تبلغ فيها الطبقات المتناضلة درجة من توازن القوى، تنال فيها سلطة الدولة لفترة معينة نوعا من الاستقلال حال الطبقتين، مظهر وسيط بينهما» [١].
و إذا أمكن هذا أحيانا، بالرغم من القوانين المادية للتاريخ، أمكن أيضا في كثير من الأحيان.
ان المجتمع البدائي، إنما كان فاقدا للدولة، لأنه لم يكن يحتاجها لعدم وجود مصالح عامة بالمعنى الحقيقي تجب كفالتها و حفظها. و إنما كان الأفراد يمكنهم أن يحفظوا مصالحهم بأنفسهم. و هذا بخلاف المجتمع المعقد الواسع و العالي التنظيم، على الشكل الذي تتصوره الماركسية في الطور الأعلى، فانه يحتاج إلى تلك الهيئة المركزية التي تحفظ له مصالحه العامة، و يستحيل أن يعيش يوما واحدا بدونها.
و لو كانت الشيوعية في الانتاج و التوزيع، هي التي أغنت المجتمع البدائي
[١] أصول العائلة: انجلز ص ٢٢٧.