تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٤١ - المناقشة
كما أن بلدانا رأسمالية عديدة لم تفكر بالاستعمار، كالهند و إيران و تركيا (بعد العثمانيين). فانها لم تفكر بغزو العالم للتسويق و لا لأي غرض آخر؛ و إنما تسوّق منتجاتها عن طريق العلاقات الحرة بين الدول.
إن الاستعمار نتيجة لظروف معينة فكرية و عسكرية و اقتصادية للبلد الفاعل للاستعمار، و هذه الظروف قد لا تتوفر في البلد الرأسمالي بصفته رأسماليا، فلا يفكر في الاستعمار.
كما ان الاستعمار غير خاص بالعهد الرأسمالي، بل هو شامل للعهد الاشتراكي أيضا. و قد سمعنا من لينين قبل قليل قوله:
«فإذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة بين هذه الشعوب و إذا ما ساعدتها الحكومات السوفييتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرفها ... الخ».
إن هذه المساعدة الضخمة نوع من أنواع الاستعمار أيضا، و له نفس المبررات الرأسمالية! و هو التسويق العالمي، مضافا إلى التأثير العقائدي و العاطفي أيضا، أي الاستعمار الفكري إلى جانب الاستعمار الاقتصادي، و هو جانب تفقده الرأسمالية، و قد استطاعت الدول الاشتراكية أن تضيفه إلى ذلك.
و لا زلنا نرى في العالم دولا اشتراكية تميل للاتحاد السوفييتي، و دولا اشتراكية تميل للصين، فما السر في ذلك غير المساعدة الاستعمارية المستترة.
الظاهرة الرابعة: ان التجريد الماركسي يميل إلى الاعتقاد إلى أن استمرار الرأسمالية يكون كابحا و مانعا عن تطور وسائل الانتاج، و ان الأطوار الجديدة لهذه الوسائل لا تكون في مصلحة الرأسماليين بل في مصلحة الاشتراكيين المتمثلين بالبروليتاريا أول الأمر. و من ثم يكون زوال الرأسمالية محتوما طبقا لقواعد المادية التاريخية.
و قد سمعنا كوفالسون يقول:
«إن الحفاظ على الملكية الرأسمالية الخاصة يكبح تطور القوى المنتجة و المجتمع كله، و يؤزّم نضال البروليتاريا الطبقي ضد البرجوازية، بوصفه تعبيرا عن تناقض الرأسمالية الأساسي» [١].
إلا أن الواقع التاريخي المعاصر، مخالف لهذا الكلام. فإن وسائل الانتاج
[١] المادية التاريخية: كوفالسون و كيلله ص ١٣٥.