تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٢٦ - المناقشة
أرقى لوسائل الانتاج؛ كيف و قد أوجب الطور الجديد تغيير سائر خصائص المجتمع- كما ترى الماركسية-، فلما ذا لم يوجب تغيير هذا النظام. مع العلم أن الماركسية اعترفت و الواقع التاريخي يشهد بوجود النظامين الحرفي و التعاوني في عصر الرق و الاقطاع و الرأسمالية ... بل و الاشتراكية أيضا ... و لم يوجب تغير النظام الاجتماعي تغييرهما ... إذن فهما غير ناتجين من تطور وسائل الانتاج.
و إنما هما ناتجان من أسباب أخرى سلسة، فالحرفة ناتجة من أمرين:
أحدهما: الخبرة الخاصة بعمل معين. و الآخر: الشعور بالحاجة إلى استغلال هذه الخبرة في سبيل العيش. و المصنع التعاوني، ناتج من الشعور بضرورة تحسين النتاج من ناحية، و حصول كل حرفي على ما لدى الآخرين من خبرات و آلات من ناحية ثانية ... و حصول المنتوج النهائي من مجموع الأعمال و الاختصاصات، في نهاية المطاف.
و من هنا يمكن أن لا يكون المصنع التعاوني ناتجا من إرادة رأسمال معين، بل من تعاون الحرفيين أنفسهم بإسهام كل منهم بماله و خبرته و عمله في المشروع، و أخذ كل منهم حصته من الربح. و بذلك ينال محاسن هذا الوضع الجديد ...
من دون أن يكون باذلا لمجهود زائد.
و من هنا، لا يمكن أن يصح كلام ماركس من أن هذا المصنع وجد في ابتدائه، عفويا و بدون وعي. و إنما وجد لأجل شعور الحرفيين بالأهداف المشار إليها. نعم إنهم لم يكونوا يفهمون: ان هذا الوضع الجديد سيستغل استغلالا رأسماليا، و يساء فيه التصرف و التحكم. لأن نتائج المستقبل مما يصعب على الفرد العادي استشفافها عادة. إلا أن هذا غير العفوية و اللاوعي.
و هناك بعض المناقشات فيما ذكره ماركس من محاسن المانيوفاكتورة و عيوبها، ينبغي أن نعرض عنها صفحا في هذا البحث، لأنه- بالنسبة إلى مهمتنا هنا- تطويل بلا طائل.
و ينبغي أن نلتفت في هذا الصدد، أن التجريد الماركسي كلما يقترب من العهود التاريخية القديمة إلى العصر الحاضر، كلما يبدو تطبيقيا أكثر فأكثر. فبينما نشعر بوضوح أن كلام «سيغال» حول النظامين الحرفي و المانيوفاكتوري تجريدي الاتجاه. إلا أن كلام ماركس أقرب إلى التطبيقية بكثير. فانه يتحدث عن هذا المصنع التعاوني حديث مشاهد، باعتبار ما عاصره فعلا من هذا النظام في