تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٤٨ - مناقشة الفكرة الماركسية عن الدين
معجلة، على مستوى قوانين العقوبات الاعتيادية ... كما ان له عقوبات و مثوبات أخروية مؤجلة. و كلا هذين النوعين من الجزاء، يؤثر بطبيعة الحال، في ضمان تطبيق التعاليم الدينية. و القسم المؤجل يختص بها الدين عن القوانين الوضعية، و يعطي لأعمال الخير قيمة معنوية عظيمة تتجاوز ساحة الحياة إلى ساحة الأبدية. و بذلك يزداد الدافع العاطفي نحو العمل الديني إلى حد كبير.
فإذا فهمنا الدين طريقة صوفية أو رهبانية أو كنيسة، كما حاولت الماركسية أن تفهم كان تطبيق تعاليمه يعني الانعزال عن الناس، و بالتالي التخدير عن العمل و عن نفع الآخرين، كما قال ماركس تماما.
و أما إذا شجب الفكر الديني الصالح هذه الاتجاهات، و أكد على بث الخير في الناس و تطبيق العدل فيهم، و التضحية من أجل الآخرين بالنفس و النفيس، كان معنى تطبيق هذه التعاليم و معنى الحث عليها يجعل الدافع الأخروي عليها: زيادة الدافع النفسي و العاطفي تجاه نفع الآخرين و بذل التضحيات لنفعهم و إسعادهم. و إعطاء ذلك قيمة أبدية غير موقتة و لا قصيرة (و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [١].
- ١٠- أما لو سلمنا- مع الماركسية- أن الدين وليد مرحلة من مراحل تطور وسائل الانتاج ... فلما ذا لم يتغير أو يتطور بتغيرها.
إن مرحلة معينة لوسائل الانتاج إن كانت أوجبت وجود الدين أساسا، إذن، فالمرحلة اللاحقة لها يجب أن تكون موجبة لطمسه و زواله بالمرة، مع أن المشاهد بالوجدان بقاؤه إلى العصر الحاضر، بالرغم من التغيرات العديدة من وسائل الانتاج.
و إن مرحلة معينة من وسائل الانتاج إن كانت سببا لشكل من أشكال الدين، إذن فاللازم أن يتغير في المرحلة اللاحقة لهذه الوسائل. في حين أننا نجد أن عددا من الأديان بقيت بذاتها و بكل تفاصيلها عبر أشكال عديدة من وسائل الانتاج، و عبر عهود كثيرة، للمادية التاريخية. و اعتنقها الناس
[١] آل عمران: ١٦٩.