القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٧٥ - الأوّل إنّهم اختلفوا في كيفيّة العلم الحاصل بالتواتر،
و أيضا لو كان نظريّا لما حصل لمن لا قدرة له على النظر كالعوامّ و الصبيان.
و أيضا يلزم أن لا يعلمه من ترك النظر قصدا إذ كلّ علم نظري، فإنّ العالم به يجد نفسه أوّلا شاكّا ثمّ طالبا، و نحن لا نجد أنفسنا طالبين لوجود مكّة.
و يمكن دفع الأوّل: بأنّا نمنع عدم الاحتياج إلى توسّط المقدّمتين في المتواترات مطلقا، نعم يتمّ فيما حصل القطع من جهة التواتر اضطرارا، فإنّ المتواترات على قسمين:
قسم منها: ما يحصل بعد حصول مبادئها اضطرارا و بدون الكسب، كالمشاهدات و ضروريات الدّين و وجود مكّة و هند و أمثال ذلك.
و منها: ما هو مسبوق بالكسب، كالمسائل العلميّة التي لا بدّ أن يحصل التتبّع فيها من جهة ملاحظة الكتب و ملاقاة أهل العلم و الاستماع منهم اصولية كانت أو فروعيّة. و لا ريب أنّ التتبّع و استماع الخبر يتدرّج في حصول الرّجحان في النظر إلى حيث يشرف المتتبّع على حصول العلم، فيلاحظ حينئذ المقدّمات من كون هذه الأخبار مسموعة و منوطة بالحسّ، و أنّ هؤلاء الجماعة الكثيرين لا يتواطئون على الكذب، ثمّ يحصل له القطع بمضمونها، فهذا متواتر نظري.
و من علامات النظريّ، أنّ بعد حصول العلم أيضا إذا ذهل عن المقدّمتين قد يتزلزل القطع و يحتاج إلى مراجعة المقدّمات، و هو ممّا يحصل في كثير من المتواترات، بخلاف الضروريّ. فالضروريّ و إن كان أيضا لا ينفكّ عن المقدّمات، لكنّها لا تحتاج إلى المراجعة إليها و الاعتماد عليها ما دام ضروريا، فإن كان مراد المشهور هو ذلك [١] فمرحبا بالوفاق، و إن كان مرادهم أنّ كلّ متواتر لا يحتاج
[١] أي القول بأنّ العلم بالمتواترات ضروري هو القسم الذي لا يتزلزل القطع بعد حصوله فنعم الوفاق.