الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - النباطي، الشيخ علي - الصفحة ٤١
إن قيل لا تكون السمعيات ألطافا في العقليات إلا إذا علم المكلف كونها ألطافا و داعية و ذلك منتف قلنا لا نسلم وجوب علمه بكونها ألطافا و داعية إذ يجوز أن يعلم الله أن مجرد التكليف بها موجب للانقياد إلى تلك على أن العقليات قد يتباعد زمانها كقضاء الدين و رد الودائع و القيام بجزاء الصنائع فتقع الغفلة عن الله فلا بد من مذكر و هو السمعي.
إن قلت لو كانت السمعيات لطفا لتقدمت على العقليات لوجوب تقدم اللطف و لو تقدمت لزمت الدور فإن السمعيات إنما تثبت بعد العلم بثبوت الخالق و ما يتوقف عليه الإرسال من صفاته قلنا المتقدم هو العلم بالعقليات و السمعيات لطف في العمل بها على أنا نمنع تقدم العقليات في الخارج على السمعيات و إنما تقدمت في الذهن عليها فإن العقل لانغماره في الشهوات قد لا يتنبه لتلك المعارف و لا يهتدي لوجوهها و مع الرسول بها و إيجابها يتنبه لها و يقرب من تحصيل طرقها فيكون النبي لطفا فيها و أيضا فالقدرة على البعثة و الداعي إليها حاصلان فتجب لاشتمالها على المصالح و الصارف منتف لانتفاء وجوه المفاسد و أيضا فاجتماع النوع ضروري و هو مجبول على التغالب فيقع التجاذب فيقع القتل فيقع العدم المناقض لمراد الخالق من الوجود فيجب رده إلى قانون مقبول هو الشرع و الآتي به النبي المميز عنه بالمعجزة فوجب النبي و له وجه يتلقى به الوحي الإلهي و آخر يخاطب به النوع الإنساني و ليس لرعيته هذان الوجهان إن قلت لم لا يكون لكل فرد ما للنبي فيستغني عنه قلت الإرسال أعظم في تجليل المرسل مما ذكرت إذ في عادة الملوك إرسال الرسل و الحجاب و الاحتجاب عن الرعية ليعظم في أعينهم و لذا أوصى المعلم الأول أرسطاطاليس الملك الإسكندر بأن لا يظهر على الرعية إلا نادرا فجرى الرب الحكيم على ذلك في إرساله لازدياد تعظيمه.
إن قلت هذا يوجب خفض منزلته عند رسوله قلت للرسول نفس قدسية لا يتخيل سقوطه عنده.