الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٧٧ - التمييز بين قسمي الشكّ في الشبهات الموضوعيّة
بعبارة أخرى: إنّ المقام في المثال الأوّل يكون من قبيل دوران الأمر
بين الأقلّ و الأكثر غير الارتباطيّين، كما لو علم إنسان بأنّه مدين لآخر بمبلغ ماليّ، و شكّ في كونه عشرة دنانير أو تسعة، فإنّه في مثل هذه الحالة يقطع بمديونيّته بالتسعة و يشكّ في مديونيّته بالعاشر، و لا إشكال في جريان البراءة عنه، و المثال الأوّل من هذا القبيل.
أمّا المثال الثاني، فإنّ الإطلاق فيه إطلاق بدليّ، بمعنى أنّ الشارع أوجب الغسل بالماء بنحو صرف الوجود و بما يصدق عليه ماء، و ليس المطلوب منه الغسل بكلّ فرد من أفراد الماء، فالوجوب إذاً وجوب واحد.
وعليه، لو غسل بالفرد الذي يعلم أنّه ماء فقد امتثل قطعاً، و أمّا لو غسل بمشكوك المائيّة، فلا يحصل الجزم بحصول الامتثال، و يكون الشكّ عندئذ شكّاً في فراغ ذمّته بما اشتغلت به، لا في دخول شيء في ذمّته كما في المثال السابق، و من ثمّ فالأصل الجاري هنا هو الاشتغال؛ لأنّ الشكّ شكّ في فراغ الذمّة لا في التكليف.
النحو الثالث: أن يشكّ في متعلّق الأمر مع علمه بالتكليف و قيوده، كما لو قال المولى: «إذا زالت الشمس فصلِّ» و دخل وقت الزوال، و شكّ في أنّه صلّى أم لا، فإنّ الشكّ كما هو واضح في الامتثال و الإتيان بمتعلّق الأمر، فتجري أصالة الاشتغال.
و هذا الشكّ هو مورد القاعدة الأصوليّة المعروفة: «إنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني»؛ إذ المفروض أنّ وجوب الصلاة معلوم لدى المكلّف و قيده قد تحقّق، و بالتالي فهو يعلم باشتغال ذمّته بالصلاة يقيناً، و إذا أراد إفراغ ذمّته ممّا اشتغلت به فلا بدّ من تحصيل اليقين بالامتثال و عدم الاكتفاء بالشكّ.