الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٢٩ - النسخ في مبادئ الحكم الإلهي
الأوّل: النسخ في مبادئ الحكم الإلهي.
الثاني: النسخ في اعتبار الحكم الإلهي.
النسخ في مبادئ الحكم الإلهي
من خلال ما أوضحناه من معنى النسخ يتجلّى لنا أنّ افتراض النسخ في مبادئ الحكم الصادر من الباري جلّ شأنه أمر مستحيل و غير معقول؛ لأنّه يستلزم نسبة الجهل إلى ساحته المقدّسة، و قد قام الدليل العقلي على أنّه تعالى عالم بكلّ شيء و لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات و الأرض.
و من الواضح أنّ العالم بكلّ شيء لا يعقل أن يشرّع حكماً بإيجاب شيء نتيجة إدراك مصلحة معيّنة و إرادة تابعة لها ثمّ ينكشف له خلاف ما أدركه من مصلحة، أو يشرّع حكماً بتحريم شيء نتيجة اعتقاد وجود مفسدة تنشأ في ضوئه مبغوضيّة للفعل ثمّ ينكشف الخلاف، فإنّ ذلك مستحيل في حقّه تعالى و لا ينسجم مع كونه عالماً بكلّ شيء، بالإضافة إلى كون الجهل نقصاً و هو منزّه عن كلّ نقص؛ كما ثبت بالدليل العقلي.
و هنا نودّ التنبيه إلى أنّ استحالة النسخ في مبادئ الحكم يشمل الأحكام الصادرة من الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)؛ لأنّ علمهم مرتبط بعلم الله تعالى، و كما يستحيل نسبة الجهل إلى الحقّ تعالى فكذلك يستحيل نسبته إلى المعصومين (عليهم السلام)، غاية الأمر أنّ استحالة الجهل بالنسبة إلى الله عزّ و جلّ استحالة بالذات، أمّا بالنسبة إلى المعصوم فاستحالة بالغير لا بالذات.
فتلخّص: أنّ النسخ بمعناه الحقيقي المساوق للتبدّل و انكشاف الخلاف في تقدير المصلحة و الإرادة أو المفسدة و الكراهة، لا يمكن أن يقع في مبادئ
الحكم المشرّع من قبل الله تعالى، و كذا لا يقع في حقّ الإنسان الكامل المرتبط بالله نبيّاً كان أو إماماً، و فيما سواهم أمرٌ ممكن بل واقع.