الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٣٣ - فكرة الترتب
لا» و «أنقذ عمراً سواء أنقذت زيداً أم لا»، و دليل الاستحالة هو برهان الخلف الذي أشرنا إليه في البحث السابق.
و في هذا البحث نريد أن نشير إلى أنّ الاستحالة المذكورة مختصّة بما لو كان كلا التكليفين مطلقاً، و أمّا لو كان كلاهما أو أحدهما مقيّداً بعدم الانشغال بالآخر فهو أمرٌ ممكن، و هو ما يُطلق عليه بالترتّب.
فالترتّب إذاً: هو الأمر بالضدّين بنحو يكون كلّ منهما أو أحدهما مقيّداً بترك الآخر، و هو على قسمين:
الأوّل: أن يكون كلا الضدّين مقيّداً بعدم الانشغال بالآخر، كما في مثال الغريقين المتساويين في الأهمّية، فهو أمر معقول؛ لأنّ امتثال المكلّف لأحد الأمرين سوف يُعدم موضوع الأمر الآخر و ينفيه، إذ إنّ المفروض أنّ كلّاً منهما مقيّدٌ بترك الآخر و عدم امتثاله.
الثاني: أن يكون أحد الضدّين مقيّداً بعدم الانشغال بالضدّ الآخر، و أمّا الأمر بالضدّ الآخر فهو مطلق لحالة الاشتغال بضدّه، و يطلق على الضدّ المقيّد: «المهمّ» و على الضدّ المطلق: «الأهمّ»، فيكون الأمر بالأهمّ مطلقاً سواء انشغل المكلّف بالمهمّ أم لا، بينما الأمر بالمهمّ يكون مقيّداً بعدم الانشغال بالأهمّ، و هو أمرٌ معقول أيضاً.
و لك أن تسأل: من أين يعرف المكلّف أنّ الضدّين متساويان في الأهمّية ليكون كلّ منهما مقيّداً بعدم امتثال الآخر، أو أنّ أحدهما أهمّ من الآخر ليكون الأهمّ مطلقاً و المهمّ مقيّداً بحالة ترك الأهمّ؟
و الجواب: إنّ معرفة ذلك مرتبط بملاكات الأحكام و المصالح الموجودة فيها، و هو مختصّ بالفقيه المتمرّس الذي يمكنه اكتشاف ذلك من خلال تتبّعه النصوص الشرعيّة المتعرّضة للحكمين المتضادّين.