الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٥٦ - الأمر بالطبيعي بنحو صرف الوجود
لأنّ المولى لم يرد و هذا واضح لمن راجع خطابه في المثال كلّ أشكال الإكرام لزيد، و إنّما قال: «أكرم زيداً»، و بمقتضى الإطلاق و قرينة الحكمة نكتشف أنّه يريد صرف وجود الإكرام، و هو يتحقّق بإكرامه بحصّة واحدة منه، و لو أرادها جميعاً لبيّن ذلك في كلامه. و بقرينة أنّ ما لم يقله لا يريده جدّاً، نعرف أنّ مراده هو إيجاد طبيعة الإكرام بنحو صرف الوجود و الإطلاق البدلي.
و ثالثاً: إنّ المأمور به و متعلّق الوجوب في المثال ليس هو تقديم الهدية لزيد أو القيام له تعظيماً و غيرها من حصص الإكرام و أفراده، و إنّما هو طبيعيّ الإكرام الجامع بين جميع الحصص، و مجرّد اختيار المكلّف لحصّة منها في مقام الامتثال لا يصيّر تلك الحصّة متعلّقاً للوجوب، بل يبقى متعلّق الوجوب هو الجامع و تكون الحصّة المأتيّ بها مصداقاً من مصاديق المأمور به و إحدى تطبيقاته.
بعبارة ثانية: إنّ الجعل قد تعلّق بالجامع و الطبيعي و يبقى على حاله رغم الإتيان بحصّة من حصص الإكرام، و تكون تلك الحصّة فرداً محقّقاً له، لا أنّها تصبح بالإتيان بها متعلّقاً للأمر مباشرةً.
و الشاهد على ذلك: أنّ المكلّف لو أتى بغيرها من حصص الإكرام الأخرى لكان ممتثلًا أيضاً، و هذا يكشف عن أنّ المطلوب بالذات هو الجامع و هو الذي تعلّق به الوجوب في جعل المولى، و أمّا الحصّة فهي أحد أفراده.
و بهذا يظهر معنى مقولة: «إنّ متعلّق الأمر هو الطبائع لا الأفراد»، و يُعنى بها أنّ متعلّق الأمر هو الطبيعي و الجامع، و الإتيان بفرد في مقام الامتثال لا يجعل من الفرد متعلّقاً، بل يبقى مصداقاً بحيث لا يسري الوجوب إليه من الجامع، و تبقى نسبة الجامع و علاقته بأفراده على حدٍّ سواء.