الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٤٤ - تمهيد
إذا عرفت ذلك، و أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة لملاكاتها، نقول: لو حرّم
الشارع شيئاً كشرب الخمر فهاهنا حالتان:
الأولى: أن ينصّ على ملاك الحرمة و مناطها كأن يذكر أنّ سبب تحريمه هو «إذهاب العقل»، ففي مثل هذه الحالة بإمكاننا أن نعمّم الحرمة و نثبت الحكم لكلّ مورد يوجد فيه ذلك الملاك. و سبب ذلك: أنّ نسبة الملاك إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول، و كما أنّ وجود المعلول يدلّ على وجود العلّة فكذلك إدراك العلّة فإنّه يستوجب إدراك المعلول، فإنّ التلازم و استحالة الانفكاك تكون من الطرفين كما ثبت في محلّه من مباحث الفلسفة.
وعليه، فلو رأينا أنّ مادّة ما كالحشيشة تُذهب العقل، فإنّنا نحكم بحرمتها؛ لاحتوائها على ملاك تحريم شرب الخمر، و هذا هو المعبّر عنه في كلمات الأصوليّين بالقياس المنصوص العلّة، أي: أنّ علّته مذكورة في الدليل الشرعي.
الثانية: أن لا ينصّ الشارع على ملاك حرمة شرب الخمر، و لكن بإمكان العقل من خلال الحدس و التأمّل و الاستحسان أن يحدس ملاك الحرمة، فيحصل عنده احتمال بأنّ مناط حرمة شرب الخمر هو الإسكار مثلًا، و السؤال: هل هذه الحالة كسابقتها في القول بتعميم الحرمة لكلّ مورد يوجد فيه ذلك الملاك المحتمل الذي استنتجه العقل؟ جواب ذلك بالنفي قطعاً كما سيتّضح فيما بعد.
و أمّا كيف يتمكّن العقل من الحدس بملاك الحكم الذي لم ينصّ عليه الشارع، فهذا ما يكون من خلال الاستقراء تارةً و القياس أُخرى.
هذا ما أحببنا عرضه في هذا التمهيد، و ننتقل بعده إلى بيان المراد من الاستقراء و القياس، و هو نقطة البحث الثانية.