الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٤٤ - معنى الجعل و المجعول
و موضوع الحكم في مرحلة الثبوت و الجعل، يكون ملحوظاً باللحاظ الثاني؛ فإنّ الشارع يفترض و يقدّر جميع الخصوصيات و القيود التي يريد إناطة الحكم بها، و تشكّل بمجموعها موضوع الحكم ثمّ يصبّ الحكم عليها، فيقول مثلًا: إذا استطاع إنسان و كان صحيح البدن مخلى السرب وجب عليه الحجّ، و ليس بالضرورة أن يوجد إنسان كذلك في الخارج لكي يتحقّق الجعل، و إنّما يلاحظ الشارع ذلك الموضوع بنحو الافتراض
و التقدير، بمعنى أنّه لو فرض و قدّر وجود مثل ذلك الإنسان الذي تتوفّر فيه تلك الشروط التي تحقّق الموضوع خارجاً، فيجب عليه الحجّ فعلًا و إلّا فلا.
فقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [١] يحقّق لنا شيئاً في الشريعة و جعلًا و هو وجوب الحجّ، بحيث لو سألنا عن واجبات الإسلام لكان جوابنا يتضمّن في بعضه وجوب الحجّ حتّى لو فرض عدم وجود مسلم مستطيع تتوفّر فيه شروط وجوب الحجّ، فإنّ الخطاب الذي تضمّنته الآية الكريمة يتكفّل جعل الوجوب المسمّى بالجعل، و هذا الجعل يعتبر في قوّة قضية شرطية مفادها: «إذا استطاع المكلّف يجب عليه الحجّ»، و الموضوع في هذه القضية هو المكلّف المستطيع، و الشرط هو الاستطاعة المفترضة، و الجزاء هو وجوب الحجّ، و قد لوحظ الموضوع فيها مقدّراً، فإن وُجد وجب عليه الحجّ و إلّا فلا وجوب عليه.
و هناك مرتبة أخرى للحكم لا تتحقّق إلّا بعد أن تتوفّر جميع الشروط و القيود المفترضة خارجاً، أي يوجد شخص مستطيع، فإنّ الجزاء في تلك القضية الشرطية المتقدّمة سيكون فعليّاً؛ لأنّه تابع لفعلية الشرط، و حيث إنّه
[١] () آل عمران: ٩٧.