الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٠٥ - إشكال و جواب
و كيف يمكن أن يكون الحكم متوقّفاً على العلم بالحكم كما في التوقّف الأوّل، و العلم بالحكم متوقّفاً على الحكم كما في التوقّف الثاني؟ و هل هذا إلّا دور محال.
بعبارة ثانية: إنّ مقتضى التوقّف الأوّل هو تقدّم العلم بالحكم على الحكم و تأخّر الحكم عنه رتبة، بينما مقتضى التوقّف الثاني هو عدم تقدّم العلم بالحكم على الحكم، و عدم تأخّر الحكم عنه، و يستحيل أن يكون الشيء متقدِّماً و غير متقدِّم و متأخِّراً و غير متأخّر؛ لأنّه اجتماع
للنقيضين [١].
هذا ما يمكن أن يقال في تصوير الدور و توقّف كلّ من الحكم و العلم به على الآخر، و بذلك يظهر استحالة اختصاص الأحكام بالعالمين بها.
و ينبغي الإشارة هنا إلى أنّ أوّل من تنبّه إلى هذا البرهان هو العلّامة الحلّي (رحمة الله عليه) في بحوثه الكلامية ردّاً على القائلين بالتصويب الذي يعتبر لازماً للقول باختصاص الأحكام بالعالم و عدم شمولها للجاهل.
إشكال و جواب
قد أشكل على البرهان المتقدِّم بمنع التوقّف الثاني، أي توقّف العلم بالحكم على الحكم، و قبل بيان ذلك نقدِّم مقدّمة تسهم في فهم الإشكال،
[١] () لا يخفى أنّ المحالات الذاتية كالدور و التسلسل و اجتماع الضدّين ترجع في النهاية إلى اجتماع النقيضين، فإنّ توقّف (ب) على (أ) يعني عليّة (أ) لها و تقدّمه عليها، فإذا كانت (ب) علّة ل (أ) أيضاً كما هو مقتضى الدور المصرّح فإنّه يعني عدم تقدّم (أ) على (ب)، و لا يمكن أن يكون (أ) متقدِّماً و غير متقدّم على (ب)، و كذلك الحال في (ب) فإنّ مقتضى معلوليّتها ل (أ) تأخّرها عنه، بينما صيرورتها علّة له يعني عدم تأخّرها عنه، و لا يمكن أن تكون (ب) متأخّرة و غير متأخّرة عن (أ) لأنّه اجتماع للنقيضين. و منه يُفهم أنّ التعبير ب «اجتماع النقيضين» في الشرح ليس دليلًا آخر وراء الدور، و إنّما هو نتيجة له.