الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٠٦ - إشكال و جواب
و حاصلها: إنّ الفلاسفة [١] قسّموا المعلوم إلى قسمين: معلوم بالذات
و معلوم بالعرض، و يقصدون بالمعلوم بالذات: الوجود الذهني الذي ينصبّ عليه العلم مباشرة بلا توسّط شيء آخر، من قبيل الصورة الذهنية للنار، فإنّ العلم بالنار لا يكون من خلال حصول نفس النار الخارجية في الذهن و إلّا لاحتاجت إلى مكان يحويها و لترتّب عليها الأثر الخارجي للنار كالحرارة و الإحراق، و إنّما يُعلم بالنار من خلال صورتها الذهنية الموجودة في نفس العالم، و يُطلق على الصورة الذهنية: المعلوم بالذات.
و أمّا المعلوم بالعرض فهو الوجود الخارجي للأشياء المعلومة كوجود النار الخارجية في المثال، فإنّ العلم بها يكون من خلال وجودها الذهني كما ذكرنا آنفاً.
و لا بدّ من وجود اتّحاد و مطابقة بين المعلوم بالذات و المعلوم بالعرض لكي يستطيع الإنسان أن يعلم بالأشياء الخارجية، و لكنّها مطابقة من بعض الجهات لا من جميعها، و إلّا لكانت الصورة الذهنية للنار حارقة كما هي حال النار الخارجية، و لهذا ذكر الفلاسفة أنّ الاتّحاد بين المعلومين يكون بحسب المفهوم و الحمل الأوّلي، و الاختلاف يكون بحسب المصداق و الحمل الشائع.
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نأتي الآن لتطبيقها على الإشكال المُثار على استحالة اختصاص الحكم بالعالم به عبر طرح التساؤل التالي: عند ما يقال بتوقّف الحكم على موضوعه التوقّف الأوّل)، أو بتوقّف العلم بالحكم على الحكم التوقّف الثاني)، فأيّهما المقصود بالحكم، أ هو المعلوم بالذات أم المعلوم بالعرض؟
[١] () انظر: بداية الحكمة: ص ٢٨.