الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٨٩ - الواجب المعلق بين الإمكان و الاستحالة
و قد ذهب جماعة من الأصوليّين و منهم صاحب الفصول (رحمة الله عليه) [١] إلى القول بإمكان ذلك، و أطلقوا على مثل هذا الواجب بالواجب المعلّق.
فالواجب المعلّق إذاً: هو الواجب الذي يتأخّر زمانه عن زمان الوجوب، سواء كانت الفترة الممتدّة بين الزمانين طويلة كما في مثال الحجّ، أو قصيرة كما في مثال صوم شهر رمضان.
و عن طريق القول بالواجب المعلّق حاول بعض الأصوليّين تفسير
مسئولية المكلّف تجاه توفير المقدّمات المفوّتة، حيث ذكرنا سابقاً [٢] أنّ القاعدة تقتضي عدم مسئوليّة المكلّف عن تهيئة مقدّمات الواجب قبل فعليّة الوجوب، و لكن قد يتّفق في بعض الحالات أنّ المكلّف لو لم يوفّر المقدّمة قبل الوجوب يفوت الواجب في وقته دائماً، كما في تهيئة مقدّمات السفر إلى الحجّ أو التطهّر من الجنابة قبل الفجر. و قد أفتى الفقهاء بلا خلاف فيما بينهم بوجوب ذلك، و لكن كان من الضروري تفسيره و تكييفه مع القاعدة التي تقتضي عدم المسئولية تجاه المقدّمات المفوّتة، فكان القول بالواجب المعلّق إحدى المحاولات و الطرق التي يمكن من خلالها التخلّص من هذه المشكلة؛ ذلك لأنّ الإشكال كان مبنيّاً على افتراض التطابق بين زمان الوجوب و الواجب ابتداءً و انتهاءً دائماً، و بالتالي كيف يكون المكلّف مسئولًا عن مقدّمة واجب لم يبدأ زمان وجوبه بعدُ. و أمّا إذا افترضنا أنّ زمان الوجوب يبدأ قبل زمان الواجب، فيمكننا التغلّب على هذا الإشكال بالقول: إنّ وجوب الحجّ مثلًا يبدأ من حين الاستطاعة، فبمجرّد حصولها يكون الحجّ فعليّاً و يبدأ زمان الوجوب، و أمّا زوال يوم التاسع من
[١] () الفصول الغروية: ص ٧٩.
[٢] () في بحث «المسئولية قبل الوجوب».