منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ٧٠
احتجّ أبو حنيفة: بأنّ الطّهارة شرط و لا تصحّ إلّا بالماء أو التّراب، و الوحل ليس واحدا منهما [١].
و الجواب: قد بيّنّا انّه لا يخرج بالمزج عن الحقيقة.
فروع:
الأوّل: الطّين مرتبة ثالثة بعد غبار الثّوب و اللّبد و شبههما،
بمعنى انّه لا يعدل إليه إلّا مع فقده، و هو قول علمائنا، لأنّ التّراب الخالص موجود في الغبار و ليس موجودا في الطّين إلّا مع المزج، فكان الأوّل أولى، و يؤيّده: الرّوايات المتقدّمة.
لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشّيخ، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السّلام قال:
قلت: رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين، ما يصنع؟ قال: «يتيمّم فإنّه الصّعيد» قلت: فإنّه راكب و لا يمكنه النّزول من خوف و ليس هو على وضوء، قال:
«إن خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوت الوقت فليتيمّم يضرب بيده على اللّبد و البرذعة و يتيمّم و يصلّي» [٢].
لأنّا نقول: هذه الرّواية ضعيفة السّند، و مع ذلك فهي غير منافية لما قلناه، لأنّه لم يتعرّض لنفي التّراب بل لنفي الماء، و هو لا يستلزم ذلك، و لا قوله: و فيها طين أيضا.
الثّاني: إذا [١] تمكّن من جفاف أجزاء الطّين بحيث يصير ترابا و يتيمّم به،
تعيّن ذلك، و كان أولى من التّيمّم بغبار الثّوب و اللّبد، لأنّه في هذه الصّورة متيمّم بتراب حقيقة. و لأنّا قد بيّنّا تأخّر مرتبة اللّبد و شبهه عن التّراب و الأرض.
الثّالث: يشترط في الوحل أن تكون أرضه ممّا يجوز التّيمّم منها،
و إلّا كان حكم
[١] «د» تتندّيا. و ما في المتن مطابق للمصدر.
[١] أحكام القرآن للجصّاص ٤: ١٩، بدائع الصّنائع ١: ٥٠، المبسوط للسّرخسي ١: ١٢٣.
[٢] التّهذيب ١: ١٩٠ حديث ٥٤٧، الاستبصار ١: ١٥٦ حديث ٥٤٠، الوسائل ٢: ٩٧٣ الباب ٩ من أبواب التّيمّم، حديث ٥.
منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ج٣، ص: ٧١
ما لو لم يجد ما يتطهّر به، و سيأتي.
مسألة: و لو لم يجد إلا الثّلج،
قال الشّيخ: يضع يديه على الثّلج باعتماد حتّى تنتديا [١]، ثمَّ يمسح وجهه من قصاص شعر رأسه إلى محادر شعر ذقنه مثل الدّهن، ثمَّ يضع يده اليسرى على الثّلج كما وصفناه، و يمسح يده اليمنى بها من المرفق إلى أطراف الأصابع، ثمَّ يضع يده اليمنى على الثّلج كذلك، و يمسح يده اليسرى من المرفق إلى أطراف الأصابع و يمسح بباقي نداوة يديه رأسه و قدميه. و إن كان قد وجب عليه الغسل فعل بجميع بدنه مثل ذلك، فإن خاف على نفسه من البرد، أخّر الصّلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل، أو التّراب فيتيمّم [٢]. و هو اختيار المفيد [٣] رحمه اللّٰه، و ابن حمزة [٤].
و قال السّيّد المرتضى: يضرب بيديه عليه و يتيمّم بنداوته [٥] و ابن إدريس منع منهما، و أوجب التّأخير إلى أن يجد الماء أو التّراب [٦]. و جوّز مالك، التّيمّم بالثّلج في حال وجود التّراب [٧]. قال الشّيخ: و إن لم يحصل نداوة لم يجزئه مطلقا، سواء حصل على بدنه نداوة أو لم يحصل. و قال الأوزاعيّ: يجزيه مطلقا، سواء حصل أو لم يحصل [٨].
و الّذي أذهب إليه، انّه إن بلغت النّداوة حدّا تجري على العضو المغسول بحيث يسمّى غسلا، فينتقل الجزء من الماء على جزء من البدن إلى آخر، وجب عليه فعل ما ذكره الشّيخ، و كان مقدّما على التّراب. و إن لم يكن كذلك فالأقرب ما قاله الشّيخ من
[١] «د» تتندّيا. و ما في المتن مطابق للمصدر.
[٢] النّهاية: ٤٧.
[٣] المقنعة: ٨.
[٤] الوسيلة (الجوامع الفقهيّة): ٦٦٨.
[٥] نقله عنه في المعتبر ١: ٣٧٧.
[٦] السّرائر: ٢٦.
[٧] المدوّنة الكبرى ١: ٤٦، بداية المجتهد ١: ٧١، المغني ١: ٢٨٣، المجموع ٢: ٢١٣.
[٨] المجموع ٢: ٢١٣.
بلغة السّالك ١: ٧٤.