شرح بر زاد المسافر - آشتیانی، جلال الدين - الصفحة ٢٤
جوهره إلى مهد كالبدن و مكان كالدنيا و إلى دابّة كالزمان، فإذا وصل حدّه الجوهريّ، و بلغ أشدّه الصوريّ الأخرويّ، خرج من هذه الدار إلى دار القرار.
و إلى هذا الحدّ من التجوهر و الفعلية و الاستقلال، وقع الاشتراك بين المؤمن و الكافر، و الموحّد و المشرك و المعطّل، و كثير من الحيوانات التي لها قوّة الخيال بالفعل.
و لا منافاة بين هذا الكمال الوجودي و الاستقلال الجوهري و بين الشقاوة و التعذّب بنار الجحيم و العذاب الأليم و أكل شجرة الزقّوم و شرب ماء الحميم، بل يؤكّدها؛ فإنّ قوّة الوجود و تأكّده و الخروج عن الأغشية و الملابس المادّيّة يوجبان شدّة إدراك الآلام و تأذّي الأمراض النفسانيّة التي وقع الذهول عنها؛ لخدر الطبيعة، و الغشاوة على البصيرة، فإذا زال الحجاب حلّ العذاب. (و عند الصباح يحمد القوم السّرى).
و القدماء الحكماء ذكروا في حدّ الإنسان أنّه الجوهر الحسّاس الناطق المائت، فجعلوا الموت من تمام الحدّ الإنساني، و ليس المراد به المعنى العدميّ، بل بعض الحركة الرجوعية إلى الغاية الأخيرة أعني الانتقال من الدنيا إلى الأخرى، فهو بهذا المعنى أمر طبيعي يلزمه فناء هذا البدن المادّي؛ إذ كلّ متحرّك ما لم يقطع جميع الحدود المفروضة الموجودة بين مبدأ المسافة و منتهاها لا يمكن أن يبلغ إلى المنتهى و الغاية القصوى، فالإنسان ما لم يخرج عن الدنيا و لم يقطع جميع الحدود الطبيعية، ثم النفسانية، لم يصل إلى جوار اللّه، و لم يستحقّ مقام العبدية، فالموت أوّل منازل الآخرة و آخر درجات الدنيا، فهو كبرزخ بين الطرفين و حاجز بين الدارين: الدنيا و العقبى، فربما يصير الإنسان بعد خروجه عن الدنيا محبوسا في بعض البرازخ مدّة طويلة أو قصيرة، و ربّما يرتقي سريعا بنور المعرفة، أو بقوة الطاعة، (الطاعات) أو بجذبة ربّانية، أو بشفاعة الشافعين، و آخر من ينفع (يشفع) هو أرحم الراحمين كما ورد في الحديث.
فهذه أصول و قوانين شرحناها و بسطنا القول فيها و أحكمنا بنيانها و شيّدنا أركانها ببراهين ساطعة و حجج قاطعة في كتبنا و صحفنا سيّما «الأسفار الأربعة» فمن تأمّل فيها تأمّلا شافيا مع سلامة فطرته عن آفة الاعوجاج، و رفض الحسد