شرح بر زاد المسافر - آشتیانی، جلال الدين - الصفحة ٢٣
طينة أبدانهم- عليهم السّلام- و أنّ قلوب مخالفيهم مخلوقة من طينة سجّين، و قلوب شيعتهم مخلوقة ممّا خلقت منه أبدانهم. فهذا الخبر و أمثاله صريحة في أنّ للإنسان كينونة سابقة على هذا الكون الطبيعي.
الثاني عشر: أنّه يجب أن يعلم أنّ معنى ضرورة الموت و كونه طبيعيا ليس كما قرّره الطبيعيون و الأطبّاء- من أنّ القوى الجسمانية لمّا كانت متناهية الأفاعيل و الانفعالات، فلا بدّ من عروض الفناء؛ لأنّه يمكن أن يصدر عن قوّة جسمانيّة أفعال غير متناهية من جهة تجدّد الإمداد العلوي، و كذا غير ذلك من الأدلّة المبنيّة على ضرورة نفاد القوّة و انقطاعها- بل سبب عروض الموت الطبيعي استكمال النفس و استقلالها في الوجود، فيتوجّه بحركته و سعيه الجبلّيّ إلى عالم آخر، فإذا قويت ذاتها شيئا فشيئا إلى أن صار وجودها نحوا آخر من الوجود، قطع تعلّقه من هذا البدن ببدن آخر مكتسب حسب أخلاقها و هيئاتها النفسانيّة، فالذي يعرض له أوّلا و بالذات هو حياة ثانية، و يلزم منه ثانيا و بالعرض زوال الحياة الأولى، فالموت واقع بالعرض لا بالذات، و إلّا فلا وجه له؛ لكون العدم طبيعيا لشيء؛ إذا الأشياء كلّها متوجّهة نحو الكمال، مسافرة إلى المبدأ الفعّال، لكنّ الذي ينتهي سفره إلى الغاية القصوى لا يتحقّق إلّا في بعض الأفراد من نوع الإنسان دون سائر الأنواع، و لو فرض في غيره من الأنواع أنّه وصل بسيره الحثيث إلى الحضرة الإلهية فلا بدّ أن يصل أوّلا و بالذات إلى باب الإنسانيّة، ثم منها إلى الحضرة القدسيّة؛ لأنّ حقيقة الإنسان هي باب اللّه المؤتى منه.
و بالجملة، لمّا كانت أفراد الإنسان منذ حدوثها و تكوّنها في التجدّد الوجودي و الاشتداد الجوهري و التوجّه الغريزي إلى الدار الآخرة، ثمّ إلى الحضرة القدسيّة، فلا بدّ- من هذا التحوّل الذاتي و الاشتداد الجوهري- أن يصل إلى حدّ من حدود الوجود، ينفصل عن هذا البدن الدنيوي الطبيعي، و يستغني عنه مكتفيا بذاته دون حاجة إلى ما تحلّه بتمامه أو ببعض قواه، فيتبدّل بوجوده الدنيوي المادي إلى وجوده الأخروي؛ إذ نسبة الدنيا إلى الآخرة نسبة النقص إلى الكمال، و نسبة الطفل إلى البالغ.
فالإنسان ما دام كونه الدنيويّ كالطفل يحتاج بضعف (لضعف) وجوده و نقص