شرح بر زاد المسافر - آشتیانی، جلال الدين - الصفحة ٢٢
عالم التضادّ و التزاحم و يلزمه الدثور و الانقضاء، فكذا كلّ ما يوجد فيه أو تعلّق به يلحقه الزوال و الشتات و الانقطاع.
و أوسطها عالم الصور المقدارية المجرّدة عن المادّة القابلة للمتضادّات، الحاملة للإمكانات و الاستعدادات.
و أعلاها عالم الصور العقلية و المثل الإلهية، فالأولى دار الدنيا التي لا قرار لها و لا بقاء. و الأخيران- كلاهما- باقيان لا زوال و لا انقطاع لهما. أحدهما منقسم إلى جنّة السعداء و هم أصحاب اليمين، و إلى جحيم الأشقياء و هم أصحاب الشمال.
و الآخر عالم القدس و جنّة السابقين المقرّبين و مقصد الملائكة المهيمنين العلّيين.
الحادي عشر: أنّ الإنسان- من جملة أنواع الخلائق- مختصّ بأنّه قد تكون لواحد منه أكوان متعدّدة مع بقاء تشخّصه بعضها قبل بعض؛ فإنّ الإنسان الواحد له من مبدأ طفوليّته كون طبيعي و هو بحسبه إنسان بشري ثمّ يتدرّج في هذا الوجود و يتصفّى و يتلطّف، حتى يحصل له كون أخرويّ نفساني، و له أعضاء نفسانيّة و هو الإنسان الثاني، ثمّ قد ينتقل من هذا الكون، و يحصل له كون عقلي و هو بحسبه إنسان عقلي، و له أعضاء عقلية و يقال له الإنسان الثالث، كما ذكره معلّم الفلاسفة في كتاب «أثولوجيا».
و اعلم أنّ هذين الكونين كما يوجدان له بعد الكون الطبيعي، كذلك قد حصلا له قبل هذا الحدوث، فإنّ أفلاطون الإلهيّ أثبت للنفوس الإنسانية كونا عقليا قبل حدوث هذا البدن، و كذا أثبت في شريعتنا الحقّة لأفراد البشر كينونة جزئيّة متميّزة سابقة على هذا الوجود الطبيعي، كما أشار إليه قوله تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ...» [١] و عن أئمّتنا المعصومين- سلام اللّه عليهم- أحاديث كثيرة دالّة على هذا المعنى تذكر أنّ أرواحهم كانت مخلوقة من طينة علّيّين قبل خلق السماوات و الأرضين، و أنّ أبدانهم مخلوقة من دون تلك الطينة، و كذا أرواح شيعتهم مخلوقة من
[١]الأعراف [٧] الآية ١٧٢.