دلائل الصدق لنهج الحق - المظفر، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧
عنه ، لكـنّه أجاب عنه ـ كما في " شرح النهج "[١] ـ بأنّ هذا القول لو كان نقصاً فيه ، لكان قول الله في آدم وحـوّاء : { فوسوس لهما الشـيطان}[٢]وقوله : { فأزلّهما الشـيطان}[٣] وقوله : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشـيطان في أُمنـيّـته}[٤] يوجب النقص في الأنبياء ، وإذا لم يُوجب ذلك فكذا ما وصف به أبو بكر نفسه .
وإنّمـا أراد أنّه عند الغضب يُشفق من المعصية ، ويحذَر منها ، ويخاف أن يكون الشـيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه ، وذلك منـه على طريق الزجر لنفسه عن المعاصي .
وأورد عليه السـيّد المرتضى طاب ثراه بما حاصله :
إنّ قول أبي بكر لا يشـبه ما تلاه من الآيات ; لأنّ أبا بكر أخبر عن نفسه بطاعة الشـيطان ، وأنّ عادته بها جارية ، وليـس هذا بمنزلة من يلقي الشـيطان في أُمنـيّـته ; أي : فكرته على سـبيل الخاطر ، ولا يطيعـه[٥] .
[١] ص ١٦٦ من المجلّد الرابـع [١٧ / ١٥٥ ـ ١٥٧] . منـه (قدس سره) . وانظر : المغني ٢٠ ق ١ / ٣٣٨ ، الشافي ٤ / ١٢٠ ـ ١٢٣ . [٢] سورة الأعراف ٧ : ٢٠ . [٣] سورة البقرة ٢ : ٣٦ . [٤] سورة الحجّ ٢٢ : ٥٢ . [٥] ولإيضاح هذه المسألة نقول : إنّ أيّـة أُمنـيّـة تتكـوّن من طرفين ; الطرف الأوّل داخليّ ، يرتبط بوعي وأحاسـيـس ومشاعر صاحب الأُمنـيّـة ، والطرف الثاني خارجيّ ، يرتبط بمدى تحقّـق هذه الأُمنـيّـة في الخارج من خلال تفاعلها مع الواقع الخارجي . ومن الطبيعي والمسلّم به أنّ المبعوث رحمةً للعالمين (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمنّى ـ كغيره من الأنبـياء ـ أن يهتدي بهداه أكبر عدد ممكن من الناس ، فسعى وجاهد في سـبيل إقبال الناس عليه وإيمانهم به ; وهذه هي الأُمنـيّـة في داخل نفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي الطرف الأوّل منهـا . ومن المسلّم به ـ كذلك ـ أن لا يكون للشـيطان سلطان على أُمنـيّـة أيّ نبيّ من الأنبـياء في داخل نفسه الشريفة . . قال الله تبارك اسمه : ( قال ربِّ بمآ أغويتني لأَُزيّـنـنّ لهم في الأرض ولأَُغوينّهم أجمعين * إلاّ عبادَك منهم المخلَصين * قال هذا صراط علَيَّ مستقيم * إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ مَنِ اتّبعك مِنَ الغاوين ) سورة الحجر ١٥ : ٣٩ ـ ٤٢ . . وقال سـبحانه وتعالى : ( إنّه ليـس له سلطان على الّذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون * إنّمـا سلطانه على الّـذين يتولّـونه والّـذين هم به مشركون ) سورة النحـل ١٦ : ٩٩ و ١٠٠ . وإنّما سـيـسعى الشـيطان ليلقي في الأُمنـيّـة عند تحـرّكها في الواقع الخارجي ، أي في مَن له سلطان عليه من الخلق ، بوسوسـته للناس وتهييج الظالمين وإغراء المفسدين ; ليمنعهم من الهداية المتمنّاة من قبل الرسول أو النبيّ ليفسد الأمر عليهم ; وهذا هو الطرف الثاني للأُمنـيّـة . . وعندئذ ، إذا أراد الله تعالى للأُمم أن تهتدي بهدى أنبيائها ، فينـسـخ الله ويزيل ما يلقي الشـيطان ، ثمّ يُحكِم عـزّ وجلّ آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبيّ وإظهار الحـقّ ، ويكون كيد الشـيطان ضعيفـاً . ولمزيد التفصيل راجع : الميزان في تفسـير القرآن ١٤ / ٣٩٠ ـ ٣٩٧ .