دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٥ - التقسيم الثاني باعتبار الدليل الدال عليه
و لا فرق في ما ذكرناه بين أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في وجود الرافع و بين أن يكون لأجل الشكّ في استعداد الحكم، لأنّ ارتفاع الحكم العقلي لا يكون إلّا بارتفاع موضوعه، فيرجع الأمر بالآخرة إلى تبدّل العنوان. أ لا ترى أنّ العقل إذا حكم بقبح الصدق الضارّ، فحكمه يرجع إلى أنّ الضارّ من حيث إنّه ضارّ حرام؟
و معلوم أنّ هذه القضيّة غير قابلة للاستصحاب عند الشكّ في الضرر، مع العلم بتحقّقه سابقا، لأنّ قولنا: المضرّ قبيح، حكم دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبدا، و لا ينفع في إثبات القبح عند الشكّ في بقاء الضرر.
و لا يجوز أن يقال: إنّ هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه، لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضرّ، و الحكم له مقطوع البقاء.
و هذا بخلاف الأحكام الشرعيّة، فإنّه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراما، و لا
حيث قال فيها بالاستصحاب، و بين الأحكام الشرعيّة المستفادة من الدليل العقلي حيث قال فيها بعدم تحقّق الاستصحاب، و ذلك لإمكان الشكّ في الحكم بعد إحراز الموضوع في الحكم الشرعي المستقلّ، و عدم ذلك في الحكم العقلي و الشرعي المستند إليه، لأنّ المناط في الحكم الشرعي هو غير الموضوع، و في الحكم العقلي هو عين الموضوع.
و حينئذ يمكن الشكّ في الحكم الشرعي من جهة الشكّ في المناط الواقعي مع تحقّق الموضوع عند العرف، و لا يمكن الشكّ في الحكم العقلي مع تحقّق الموضوع، بل الشكّ فيه يرجع إلى الشكّ في الموضوع، و المناط دائما، و لهذا لا يتحقّق الاستصحاب في الحكم العقلي و الحكم الشرعي المستند إليه، و يتحقّق في الحكم الشرعي المستقلّ.
و السرّ في ذلك ما قيل من أنّ في القضية الشرعيّة ثلاثة أشياء: الموضوع، و المناط الواقعي، و الحكم، و في القضية العقليّة شيئان: الموضوع الذي هو المناط، و الحكم.
قوله: (و هذا بخلاف الأحكام الشرعيّة ... إلى آخره).
دفع لما قد يتوهّم من أنّ ما ذكر من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة و الأحكام الشرعيّة التابعة لها، مستلزم لعدم جريانه في الأحكام الشرعيّة غير المستندة إلى الأحكام العقليّة، كالأحكام الشرعيّة المستقلّة، لأنّ الشكّ في الأحكام الشرعيّة و إن كانت مستقلّة دائما لكنّها يجب أن تكون من جهة الشكّ في المناط و ما هو علّة الحكم،