دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٧ - التقسيم الثاني باعتبار الدليل الدال عليه
فإن قلت: على القول بكون الأحكام الشرعيّة تابعة للأحكام العقليّة، فما هو مناط الحكم و موضوعه في الحكم العقلي بقبح هذا الصدق فهو المناط و الموضوع في حكم الشرع بحرمته، إذ المفروض بقاعدة التطابق، إنّ موضوع الحرمة و مناطه هو بعينه موضوع القبح و مناطه.
قوله: (فإن قلت) ردّ لما أجابه عن التوهّم و هو قوله: (و هذا بخلاف الأحكام الشرعيّة).
و الجواب المذكور مبني على الفرق بين الأحكام الشرعيّة و الأحكام العقليّة، فيردّ بقوله: فإن قلت، الجواب بردّ الفرق المذكور.
و حاصل الإيراد، هو عدم جواز الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة المستقلّة على القول الحقّ من كون الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح و المفاسد الواقعيّة، كما لا يجوز في نفس الأحكام العقليّة و الأحكام الشرعيّة المستندة إليها، و ذلك لأنّ المناط في الحكم الشرعي هو بعينه مناط حكم العقل، إلّا أنّ العقل لا يدرك تفصيلا ما هو المناط في الحكم الشرعي إلّا من طريق حكم الشرع بالتحريم أو الوجوب.
و لهذا يقال: إنّ الأحكام الشرعيّة ألطاف في الأحكام العقليّة، و حينئذ، كما أنّ الشكّ في الحكم العقلي أو الحكم الشرعي المستند إليه دائما يرجع إلى الشكّ في بقاء الموضوع و المناط، كذلك الشكّ في الحكم الشرعي المستقلّ يرجع إلى الشكّ في بقاء الموضوع و المناط، فلا فرق بينهما من هذه الجهة حتى يقال بجريان الاستصحاب في أحدهما دون الآخر، بل لا يجوز الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة المستقلّة، كما لا يجوز في الأحكام العقليّة، فما ذكر من جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة دون الأحكام العقليّة بالفرق بينهما غير صحيح.
و ما ذكرناه و إن كان مخالفا لظاهر كلام المصنّف (قدّس سرّه)، إذ ظاهره عدم الفرق بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي المستند إليه في عدم جريان الاستصحاب فيهما، إلّا أنّه مراده، إذ مراده هو الإشكال على جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة التي لا مسرح للعقل فيها و ذلك لأنّ عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى العقل قد تقدّم منه في صدر عنوان البحث حيث قال: (إلّا أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي ... تأمّلا).